الإصلاح الصحي ضرورة ملحة

لقد آن الأوان أن نخرج من دائرة التساؤل إلى دائرة الفعل ، ومن التبرير إلى البناء ، ومن التشخيص إلى العلاج ، فالوضع الصحي المريض لا يشفى بالتحليل وحده ، بل بالإرادة والعقل والعلم والخطة ، ولأن الصحة هي الركيزة الأولى للحياة ، والشرط الأساسي للتنمية والاستقرار ، فإن إصلاحها لم يعد خيارا ، بل أصبح ضرورة وطنية وإنسانية ملحة ، فإذا أعدنا تعريف الصحة بوصفها فلسفة حياة وحقا مقدسا لا يُشترى ولا يُباع ، لاستعدنا جوهرها الإنساني ، ولتحررت من ثقافة السوق التي حولت المرض إلى استثمار والعلاج إلى تجارة ، ولو قمنا بتأهيل المراكز الصحية والمستوصفات لتصبح مراكز متكاملة للصحة الواحدة ، تضم الإنسان والحيوان والبيئة في منظومة رقمية موحدة ، لانتقلنا من رد الفعل إلى الوقاية والتنبؤ والاستباق وتجنبنا معظم الأمراض التي تنهش أجساد أمتنا ، ولو أنشأنا المستشفيات الجامعية الحديثة وربطناها إداريا ومهنيا وقانونيا وعضويا بالجامعات وكليات الطب ، لجعلناها ميادين للتعليم والتدريب والبحث العلمي ، تخرج أطباء وممرضين وفنيين مهرة على أسس علمية وإنسانية متينة وحمينا أبنائنا من سوق التعليم الطبي الخاص التي تستنزف الأسر الليبية دون مردود علمي ومهني ، ولو طورنا المستشفيات التعليمية التابعة لوزارة الصحة لتكون مراكز للتأهيل ورفع الكفاءة والتعليم المستمر ، لارتفع مستوى الخدمة وجودتها ، ولتحسنت ثقة المواطن في مؤسساته الصحية ، ولو ابتعثنا الأطباء الشباب والممرضين والفنيين الصحيين إلى أرقى الجامعات والمستشفيات العالمية للتأهيل والتخصص ، وعدناهم بعقود إلزامية لخدمة الوطن ، لبدأنا بناء جيل جديد من الكفاءات الطبية القادرة على قيادة التغيير ، وقطعنا الطريق على تجار التعليم الطبي ودكاكين الشهادات الحاملة ليافطات المحلية والعربية والافريقية والاوروبية والدولية ولا يملكون من التعليم الطبي والتدريب السريري الا مكاتب للجباية من أبنائنا المفروض تعليمهم وتدريبهم مكفول وبالمجان وفي أفضل الظروف وأعلى الإمكانيات وأرقى الجامعات العالمية ،ولو أعدنا النظر في برامج التعليم الطبي المنتشرة ، وأوقفنا ما لا يرقى إلى المعايير الأكاديمية والعالمية ، ودمجنا المحاكاة والتعليم التفاعلي والتقييم العملي في المناهج ، لاستعدنا هيبة التعليم الطبي وصدقيته ، ولو أوقفنا الجمع بين القطاعين العام والخاص وجُرم بأقصى العقوبات تضارب المصالح ، وأعدنا احتكار الدولة للإمداد الطبي وسلاسل التوريد ، لنحمي المواطن من استغلال السوق ومن فساد المنظومات الموازية ، والأدوية المغشوشة ، ولو رفعنا موازنة الصحة الوطنية إلى الحد الأدنى المقبول عالميا (15٪ من الدخل القومي) ، وخصصنا منها نصيبا واضحا للتعليم الطبي ، والتأهيل والبحث والابتكار ، لتغير وجه النظام الصحي بأكمله ، ولا حاجة حينها لنظام تمويلي طفيلي يتعايش عليه الحذاق والدخلاء على الصحة ، ولو رقمنا الإدارة الصحية بالكامل ، من رأس الهرم إلى أصغر وحدة ، وفعلنا الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتشخيص المبكر وإدارة الطوارئ والإسعاف ، لتقلص الهدر ، وتسارعت الاستجابة ، وتحسنت الحوكمة ، ولو أعدنا تنظيم خدمات الإسعاف والطوارئ والإنقاذ لتكون وطنية الطابع ، سريعة الاستجابة ، متطورة الأجهزة ، مدربة الكوادر ، متصلة إلكترونيا بكل المرافق الصحية ، لوفرنا أرواحا كثيرة ، واستعدنا ثقة الناس في دولتهم ، ولو بُني النظام الصحي على العدالة والإنصاف والشفافية والمساءلة ، لانتقلت ليبيا من مرحلة الترقيع إلى مرحلة البناء المستدام ، ولتحول القطاع الصحي من عبءٍ إلى قوة دافعة للتنمية الوطنية ، إذا فعلنا ذلك فإننا لا نُصلح قطاعا واحدا ، بل نُعيد بناء الدولة من داخل إنسانها ، فالصحة ليست مجرد خدمة ، بل هي عمود الوجود ، وهي التي تصنع التنمية ، وتضمن الاستقرار ، وتُحيي الأمل في النفوس ، لقد آن الأوان لوضع خطة وطنية شاملة للإصلاح الصحي ، مبنية على العلم والمهنية والإدارة والضمير ، تتضمن إجراءات واضحة ، ومؤشرات أداء دقيقة ، وجدولا زمنيًا مُلزما للتنفيذ ، آن الأوان لإيقاف كل عبث وتسيب وتجاوز يهدد صحة الناس ويقوض مستقبل الأجيال ، وآن الأوان لأن تُرفع الصحة إلى مقامها الرفيع كقضية وطنية وإنسانية وتنموية عليا ، بالإصلاح الصحي تُبنى الدولة ، وبالعقل والعلم تُصان الكرامة ، وبالإنسان تُكتب حضارة الحياة ، ولتبق الصحة هي جوهر النهضة وروح الوطن وضمان المستقبل ..
ماذا لو فعلنا …. لكانت صحتنا أفضل !!!
د.علي المبروك أبوقرين





