الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده … وبعد:
فمن فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، يستكثرون فيها من العمل الصالح، ويتنافسون فيها فيما يقربهم إلى ربهم، والسعيد من اغتنم تلك المواسم، ولم يجعلها تمر عليه مروراً عابراً. ومن هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة، وهي أيام شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا، وحث على العمل الصالح فيها؛ بل إن لله تعالى أقسم بها، وهذا وحده يكفيها شرقاً وفضلاً، إذ العظيم لا يقسم إلا بعظيم
وهذا يستدعي من العبد أن يجتهد فيها، ويكثر من الأعمال الصالحة، وأن يحسن استقبالها واغتنامها. وفي هذه الرسالة بيان لفضل عشر ذي الحجة وفضل العمل فيها، والأعمال المستحبة فيها.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاستفادة من هذه الأيام، وأن يعيننا على اغتنامها على الوجه الذي يرضيه
بأي شيء نستقبل عشر ذي الحجة؟
حري بالسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة، ومنها عشر ذي الحجة بأمور:
1- التوبة الصادقة :
فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون( [النور:31].
2- العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام :
فينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، قال تعالى:( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) العنكبوت
3- البعد عن المعاصي:
فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله تعالى، فالمعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه÷ فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فأحذر الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها؟ ومن عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل.
فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذه الأيام، وأحسن استقبالها قبل أن تفوتك فتندم، ولات ساعة مندم.
فضل عشر ذي الحجة
1- أن الله تعالى أقسم بها:
وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، قال تعالى ( وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) . والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف، وقال ابن كثير في تفسيره: وهو الصحيح.
2- أنها الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره:
قال تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) [الحج:28] وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس.
3- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لها بأنها افضل أيام الدنيا:
فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(فضل أيام الدنيا أيام العشر ـ يعني عشر ذي الحجة ـ قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال : ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب( [ رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني]
4- أن فيها يوم عرفة :
ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً، وقد تكلمنا عن فضل يوم عرفة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه في رسالة (الحج عرفة(0
5- أن فيها يوم النحر :
وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء، قال صلى الله عليه وسلم (أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)[رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني].
6- اجتماع أمهات العبادة فيها :
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره).
فضل العمل في عشر ذي الحجة
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) [رواه البخاري].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكرت له الأعمال فقال: ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشرـ قالوا: يا رسول الله، الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره. فقال: ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله، ثم تكون مهجة نفسه فيه) [رواه أحمد وحسن إسناده الألباني].
فدل هذان الحديثان وغيرهما على أن كل عمل صالح يقع في أيام عشر ذي الحجة أحب إلى الله تعالى من نفسه إذا وقع في غيرها، وإذا كان العمل فيهن أحب إلى الله فهو أفضل عنده. ودل الحديثان أيضاً على أن العامل في هذه العشر أفضل من المجاهد في سبيل الله الذي رجع بنفسه وماله، وأن الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة تضاعف من غير استثناء شيء منها.
من الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة
إذا تبين لك أخي المسلم فضل العمل في عشر ذي الحجة على غيره من الأيام، وأن هذه المواسم نعمة وفضل من الله على عباده، وفرصة عظيمة يجب اغتنامها، إذ تبين لك كل هذا، فحري بك أن تخص هذه العشر بمزيد عناية واهتمام، وأن تحرص على مجاهدة نفسك بالطاعة فيها، وأن تكثر من أوجه الخير وأنواع الطاعات، فقد كان هذا هو حال السلف الصالح في مثل هذه المواسم، يقول أبو ثمان النهدي: كانوا ـ أي السلف ـ يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من محرم.
ومن الأعمال التي يستحب للمسلم أن يحرص عليها ويكثر منها في هذه الأيام ما يلي:
1- أداء مناسك الحج والعمرة.
وهما افضل ما يعمل في عشر ذي الحجة، ومن يسر الله له حج بيته أو أداء العمرة على الوجه المطلوب فجزاؤه الجنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [متفق عليه].
والحج المبرور هو الحج الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يخالطه إثم من رياء أو سمعة أو رفث أو فسوق، المحفوف بالصالحات والخيرات.
2- الصيام :
وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة، بل هو من أفضلها، وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره، فقال سبحانه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [متفق عليه].
وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم صيام يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجة بمزيد عناية، وبين فضل صيامه فقال: (صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده) [رواه مسلم].
وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها. وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال: صيامها مستحب استحباباً شديداً.
3- الصلاة :
وهي من أجل الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً، ولهذا يجب على المسلم المحافظة عليها في أوقاتها مع الجماعة، وعليه أن يكثر من النوافل في هذه الأيام، فإنها من أفضل القربات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) [رواه البخاري].
4- التكبير والتحميد والتهليل والذكر:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) [رواه أحمد]. وقال البخاري ك كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرها. وقال: وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً.
ويستحب للمسلم أن يجهر بالتكبير في هذه الأيام ويرفع صوته به، وعليه أن يحذر من التكبير الجماعي حيث لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من السلف، والسنة أن يكبر كل واحد بمفرده.
5- الصدقة :
وهي من جملة الأعمال الصالحة التي يستحب للمسلم الإكثار منها في هذه الأيام، وقد حث الله عليها فقال: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) [البقرة:254]، وقال صلى الله عليه وسلم (ما نقصت صدقة من مال) [رواه مسلم].
وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام بالإضافة إلى ما ذكر، نذكر منها على وجه التذكير ما يلي:
قراءة القرآن وتعلمه ـ والاستغفار ـ وبر الوالدين ـ وصلة الأرحام والأقارب ـ وإفشاء السلام وإطعام الطعام ـ والإصلاح بين الناس ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وحفظ اللسان والفرج ـ والإحسان إلى الجيران ـ وإكرام الضيف ـ والإنفاق في سبيل الله ـ وإماطة الأذى عن الطريق ـ والنفقة على الزوجة والعيال ـ وكفالة الأيتام ـ وزيارة المرضى ـ وقضاء حوائج الإخوان ـ والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ـ وعدم إيذاء المسلمين ـ والرفق بالرعية ـ وصلة أصدقاء الوالدين ـ والدعاء للإخوان بظهر الغيب ـ وأداء الأمانات والوفاء بالعهد ـ والبر بالخالة والخالـ وإغاثة الملهوف ـ وغض البصر عن محارم الله ـ وإسباغ الوضوء ـ والدعاء بين الآذان والإقامة ـ وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة ـ والذهاب إلى المساجد والمحافظة على صلاة الجماعة ـ والمحافظة على السنن الراتبة ـ والحرص على صلاة العيد في المصلى ـ وذكر الله عقب الصلوات ـ والحرص على الكسب الحلال ـ وإدخال السرور على المسلمين ـ والشفقة بالضعفاء ـ واصطناع المعروف والدلالة على الخير ـ وسلامة الصدر وترك الشحناء ـ وتعليم الأولاد والبنات ـ والتعاون مع المسلمين فيما فيه خير.


![وجوب الإنصات لخطبة الجمعة للشيخ / عبدالرحمن بن معاضه الشهري غفر الله له ولوالديه وللمسلمين قصة آية (26) وجوب الإنصات لخطبة الجمعة المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أيها الإخوة المشاهدون الكرام في كل مكان، وأهلًا وسهلًا بكم في برنامجكم «قصة آية» هذا البرنامج الذي يأتيكم برعاية وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية. أهلًا وسهلًا بكم في آيةٍ جديد، ومع قصة آيةٍ جديدة، يوم الجمعة: هو عيدٌ أسبوعيٌ لنا نحن المسلمين نجتمع فيه، ونستمع فيه إلى خطبة الجمعة، وننتظر هذه الخطبة من أسبوع إلى أسبوع؛ حتى نستفيد مما يقال فيها، ومما يلقى فيها من الحِكم والمواعظ. النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة بنفسه، وكان الحضور هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وذات يوم وهو يخطب عليه الصلاة والسلام الجمعة وفجأة فإذا بعدد كبير من المسجد يخرجون ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ولم يبقَ معه إلا عدد قليل؛ فنزلت آيةٌ من آيات القرآن الكريم في هذه القصة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) ﴾[الجمعة:9-11]. هذه الآيات نزلت في قصة كما ذكرت لكم طرفًا منها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكان الناس في شِدَّة، وكانت المدينة في حالةٍ من الشدة وأصبحت الأسواق شحيحة، وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة والمسلمون والصحابة رضي الله عنهم يستمعون وينصتون إلى خطبة الجمعة، فإذا بـ«عير» قد قدِمت من خارج المدينة، وإذا بالمنادي ينادي أن العير؛ عير فلان قد أقبلت. طبعًا ليس من عادتهم رضي الله عنهم أن ينادوا على العير في مثل هذا الوقت؛ لأنه وقت صلاة جمعة، والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب، ولكن الشدة والحاجة والغلاء الذي كان في المدينة أنسى من جاء بالقافلة هذا الوقت وهذا الموقف، فكثيرٌ من الصحابة رضي الله عنهم في المسجد يعني تذكروا الحاجة وأن القافلة ستذهب لو لم يبادروا ويشتروا منها قبل أن تتفرق، فلما سمعوا النداء خرجوا من المسجد، والذي يخطب النبي صلى الله عليه وسلم. طبعًا هو موقف حقيقة ومشهد غير مألوف ولم يتكرر، ولكن الله عز وجل سجَّله في هذه الآية؛ لكي تكون درس لنا يا شيخ عبد العزيز بأن خطبة الجمعة لها شأن عظيم، وإذا دخلت والخطيب قد بدأ يخطب الجمعة فإنه يجب عليك أن تنصت حتى ينتهي، تصلي الجمعة وتنصرف، وأن يكون لها هذه القداسة، وهذا الاحترام، وهذا التعظيم. وتعظيم شعائر الله، وتعظيم حرمات الله من دلائل تقوى العبد لله عز وجل، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾[الجمعة:11] . أخرج أحمد والشيخان: البخاري ومسلم والترمذي أيضاً عن جابرٍ قال: « كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عيرٌ، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ [الجمعة:11]». أولاً: يمكن أن نقول: من فوائد هذه القصة الكمال عزيز، والصحابة رضي الله عنهم هم خير القرون، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عظَّم من شأن أصحابه، ومن شأن ذلك القرن، وقال: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه»، فلا نتكلم في الصحابة إلا بخير، لكن نحن نستلهم العبرة من هذه الموقف: كيف تتركون النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وتلحقون تجارة!، وأيش اللي ينباع فيها؟ ينباع فيها ثياب أو ينباع فيها طعام أو شيء من هذا. فإذا كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم وقع منهم مثل هذا الخطأ، فمن بعدهم من باب أولى، ويُلتمس العذر للمتأخرين كما يُلتمس العذر للصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولكن العبرة باستثمار هذه الفائدة، وأخذ العبرة منها، والتأدُّب بهذا الأدب، وأنه لا ينبغي الخروج من خطبة الجمعة والإمام يخطب، وهؤلاء قد خرجوا فعاتبهم الله بهذه الآية، فهذه واحدة. الأمر الثاني: أن الله عز وجل قال في الآية: ﴿ انْفَضُّوا ﴾ والانفضاض يدل على أنهم كانوا متجمعين، وأنهم كانوا عدد كبير، فلما يقول: ﴿ انْفَضُّوا ﴾ معناها أنه كان عندك عدد كبير ولكنهم خرجوا، تركوك وذهبوا؛ ولذلك في بعض الروايات أنه يقولون: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمدٍ بيده لو تتابعتم حتى لم يبق أحدٌ منكم؛ لسال بكم الوادي نارًا»، لكن الحمد لله اثنا عشر الذين بقوا حفظ الله الناس جميعًا بهم، وهذه أيضًا من الفوائد. وأذكر قصة طريفة: الإمام مالك بن أنس كان مُحدِّث أهل المدينة، وكان إمام دار الهجرة، وهو يُعرف بهذا الاسم إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي، فكان يُحدِّث في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، فجاءه تلاميذه من الأندلس، كانوا يأتونه من أنحاء الدنيا يطلبون العلم عنده، فأحد تلاميذه لا أذكر هل هو يحيى بن يحيى الليثي أم هو غيره، لكنه قادم من الأندلس، فلما كانوا في الدرس جاء أحد أهل المدينة بفيل، ما أدري من أين اشتراه؟ وتعرف نحن في الجزيرة العربية لا نعرف الفيل، يعني: الفيل غير منتشر عندنا، الفيل موجود في الهند، وموجود في مناطق بعيدة. فلما سمع طلاب الإمام مالك بالفيل خرجوا يبغون يطالعون في الفيل هذا، وبقي يحيى بن يحيى الليثي ما طلع، فقال له الإمام مالك: لماذا لا تخرج وتشوف الفيل مع زملائك؟ قال له: أنا ما جيت من الأندلس عشان أشوف الفيل، أنا جيت من الأندلس عشان أطلب العلم عندك يا شيخ مالك، فعظُم في نفس مالك، وبدأ يُقدِّره من ذلك الوقت ويعرف له مكانته. فالناس بطبيعتهم ينجرفون وخاصةً عامة الناس، لا تستغرب أن عامة الناس تنجرف إلى الأشياء المثيرة، ولكن خذهم بالتي هي أحسن، أعِدهم للصواب، لكن يبقى أيضاً الناس العقلاء في المجتمع عليهم المُعوَّل؛ ولذلك هؤلاء الاثني عشر الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أشك أنه كان منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وهؤلاء الكبار، وأن الذين خرجوا ربما من شباب الصحابة رضي الله عنهم ونحوهم، فهذه فائدة. ودائمًا قادة الرأي، وقادة المجتمعات عليهم من المسئولية ما ليس على غيرهم، وأنت إذا أصبحت قدوة ينظر الناس إليك على أنك قدوة يُقتدى بك، فإن عليك من المسئولية ما ليس على غيرك مما لا ينظر إليه الناس هذه النظرة؛ ولذلك كان يقول بعض العلماء: كنا نأتي أشياء، يعني: كنا نسوي أشياء من المباحات، فلما تصدَّرنا وأصبح الناس يقتدون بنا تركناها، ليس لأنها محرمة ولكن محافظة على هذه القدوة التي ينظر الناس إليها أنها تبقى غير مهزوزة. ولذلك أنا أقول: حتى القدوة في المجتمعات المسلمة ينبغي عليه أنه يأخذ نفسه بالحزم، ويترك أشياء من أجل اقتداء الناس به ليست من المحرمات، ولكن حِفاظًا على هذه الصورة التي ينظر إليها الناس، والقدوة التي يقتدي الناس بها؛ ولذلك القاضي له من المكانة في المجتمعات ما ليس لغيره، الداعية، خطيب المسجد، إمام المسجد، وليس هذا يعني بغريب في شرعنا بالعكس، هذا لأنك أنت وضعت نفسك في هذا الموضع الذي يقتدي الناس به. إمام المسجد: ينظر الناس إليه؛ لأنه قدوة، حافظ لكتاب الله، وأولى الناس بأنه يكون متخلقًا بأخلاق القرآن، فينبغي عليه أنه ينظر إلى نفسه هذه النظرة ويُنزه أفعاله عن أي فعل قد يفهمه عامة الناس فهماً خاطئًا، يقولون: ما شاء الله، شوفوا هذا الذي يؤم الناس في المسجد وجالس يفحط بالسيارة مثلًا، مع أن التفحيط بالسيارة ليس حرام، أليس كذلك؟ لكنك أنت في مكان قدوة لا يليق بك أنك تنزل إلى مستوى، أو يرى الناس منك ما لا يليق بإمام المسجد، وقس على ذلك القاضي، والسياسي ونحو ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما انجلف الناس وخرجوا للقاء القافلة، وبقي هؤلاء معه قال لهم بما معناه: أنكم أنتم قدوات الناس، ولولا بقاؤكم لأصاب الله عز وجل الناس بعذاب. أيضًا من فوائد هذه القصة وهذه الآية: أنَّ قادة الناس وقدوات الناس هم أمَنَة للمجتمعات، يحفظ الله عز وجل بهم المجتمعات من العذاب ومن الانهيار، هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، هم الذي يحتسبون في القيام على أمر الناس، وفي توجيههم، وفي تربيتهم. وإذا تخلى هؤلاء القدوات عن هذه الوظيفة انهارت المجتمعات، فينبغي للإنسان الذي يقف في هذا الموقف أن يستشعر هذا الأمر، وأنك لست كغيرك؛ ولذلك الله عز وجل قال: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ﭧ ﴾[الأحزاب:32]، فكما أن الله فضَّلك يا عائشة، وفضَّلك يا حفصة، وفضَّلك يا زينب بأن زوجكم النبي ترى عليكم مسئولية ليست على غيركم من النساء، التي تتساهل منكم في الحجاب ليست كغيرها، والتي تتساهل في أنها تكلم الناس بخطاب فيه لين ليست كغيرها وهكذا، ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ [الأحزاب:32]. ولذلك يخطئ من يظن أن هذه الخطابات لنساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، بل هي للنساء عامة، الأمر بالحجاب للنساء عامة، ولكن عندما يُشدد على نساء النبي فأقول: أنتم من باب أولى؛ لأنهم هم قدوة نساءنا، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا والصحابة الكرام، فهذه أيضًا من فوائد هذه الآية. ومن فوائد هذه الآية فضل صلاة الجمعة لاشك، وقلت في بداية الحلقة: أن الجمعة هي عيد لنا ، نحن اليوم ألاحظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله عز وجل قد ادَّخر يوم الجمعة للمسلمين»، فانظر كيف أنه ذهب اليهود إلى يوم السبت، وذهب النصارى إلى يوم الأحد، وادَّخر الله للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته يوم الجمعة، وهو أفضل أيام الأسبوع، فهذه واحدة. لكن لاحظ خطبة الجمعة الآن ليس هناك في الديانات، زُرتُ يوماً كنيسة من الكنائس الكبيرة في الولايات المتحدة بترتيب طبعًا مُسبق، وكان معي مجموعة من الزملاء، وكنا نريد أننا نعرف طريقتهم في الكنائس وكذا، كانت زيارة خاصة بالتعليم الديني في الكنائس وكذا، فسألت أنا القسيس زعيم الكنيسة، قلت: متى تجتمعون أنتم؟ وهل لكم يوم في الأسبوع تجتمعون فيه يعني محدد؟ فوجدت إنه حتى يوم الأحد ما هو بوقت محدد، قلت: طيب ماذا تصنعون أنتم في الكنيسة إذا جئتم؟ نحن جالسين في الكنيسة نشوف الكنيسة، والكنيسة فإذا فيها يعني آلة موسيقية، لاحظ يا شيخ عبد العزيز فيه فرقة موسيقية متكاملة في أول الكنيسة، وفيه عندهم بالإضافة إلى الكتاب المقدس عندهم كتاب مثل الأناشيد الدينية عندهم. فقلت: وأيش فكرة الكتاب هذا؟ قال: هذه أناشيد دينية يأتون الفرقة الموسيقية ويعزفون هذه الأناشيد ويغنون، ما شاء الله على الصلاة وعلى العبادة، شوف يجتمعون. فقلت” طيب هل هناك التزام بهذه الصلوات وعدد؟ قال: لا، للأسف فيه عندنا مشكلة في الالتزام، يعني ما يحضر إلا عدد قليل وإلى آخره، فقلت له: هل تعلم عندنا نحن المسلمين يوم الجمعة، صلاة الظهر صلاة يومية عندنا، لكن يوم الجمعة تُسمَّى صلاة الظهر صلاة الجمعة، وبدل ما نصلي أربع ركعات نصلي ركعتين، ولكن يخطب الإمام خطبتين، وفيها كذا، فيها أركان الخطبة، وطريقة قيام الإمام والأذان، فاندهش. قال: طيب، يعني وقت صلاة الجمعة محدد يعني ما يمكن تقديمه حسب ظروف المصلين، مثلًا يمكن تأخيره؟ قلنا: لا يمكن. قال: طيب، المسافر إذا سافر وما وجد مكان يصلي فيه الجمعة؟ تسقط عنه الجمعة المسافر. فقال: والله هذه معلومات مهمة بالنسبة لي وجديدة لأول مرة، فقلت للزملاء ومن معي، قلت: يعني شوفوا يا إخواني نعمة الله علينا نحن المسلمين، الذي يعيش في وسط مسلم لا يشعر بهذه النعمة؛ لأنه يشوف الناس كلهم يصلون الجمعة، ويذهبون لصلاة الجمعة ويأتون لصلاة الجمعة، لكن عندما تستشعر أنت هذا العيد الأسبوعي وأنت مأمور أن تذهب إليه وأنت متطهر وتغتسل، وأن النبي ﷺ حث على التبكير إلى صلاة الجمعة، ومن جاء في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرَّب، ومن جاء في الثالثة.. كل هذه الفضائل، ثم أنت إذا جاء الخطيب لا تتحرك، ولا تمسَّ الحصى، ولا تكلم أحد، كل هذا مبالغة في الإنصات، وقال: «من مسَّ الحصى فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له»، تحذير يعني كلها صمتًا، يريدك فقط أن تستمع إلى الإمام، وتفهم ماذا يقول، وتصلي وتذهب. هذه السورة سورة الجمعة أصلًا، السورة اسمها سورة الجمعة، وفيها إشارة إلى فضل الجمعة، والآية ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة:9] والعلماء يقولون: ﴿ فَاسْعَوْا ﴾ ليس معناها هرِّولوا؛ لأنه قد نُهي عن الهرولة، أن تأتي إلى الصلاة وأنت تهرول، وإنما تأتي وعليك السكينة، لكنه عبَّر بالسعي عنه للإشارة إلى المبادرة والإقبال، وعدم التأخر، وعدم الانشغال؛ ولذلك عاتبهم هنا: كيف تأتون ثم تنصرفون؟! وتو الخطبة الآن شغَّالة، فهذه أيضًا من فوائد هذه الآية، فوجوب الإنصات من أهم ما ينبغي على المسلم في صلاة الجمعة. أيضًا من الفوائد، نختم بها هذه الفائدة وهي: مشروعية الخطبة قائماً. الخطيب يخطب وهو واقف، ما يخطب وهو جالس، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، ولم يخطب عليه الصلاة والسلام إلا وهو واقف، وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وتتابعوا على ذلك، وأول من خطب جالسًا أحد خلفاء بني أمية، كان مريضاً فصلى جالسًا، فأصبح الناس بعضهم يخطب جالسًا، لا نقول: أنه يحرم أن تخطب جالسًا إذا لم يستطع ذلك، ولكن نقول: المشروع أن الخطيب يخطب قائمًا، بل حتى يعني وهذه قد تكون خارج التغطية: أن مهارات الإلقاء التي يتكلم عنها الناس اليوم، يقولون: أنك إذا تكلمت وأنت واقف فإنك تكون أبلغ في التأثير على المتلقي من لو كنت تخطب وأنت جالس؛ لأنك تؤثر وتتحرك وتنتقل من مكان إلى مكان، ولذلك يفعلون ذلك في التدريب وفي الخطابة. أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم أيها الإخوة المشاهدون أن نتدبر كلام الله سبحانه وتعالى على وجهه الذي أُمرنا به، وأن يوفقنا الله وإياكم بالعمل به على الوجه الذي يرضيه عنا. حتى نلقاكم إن شاء الله في حلقةٍ قادمة وأنت على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.](/wp-content/uploads/2023/01/وجوب-الإنصات-لخطبة-الجمعة.jpg)



