كتاب الرائ

إنسانية الطب والصحة في زمن السوق

د.علي المبروك أبوقرين

لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة بل كان فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون علمًا، ورسالة إنسانية قبل أن يكون خدمة. فمنذ أن وضع الإنسان يده على جسد إنسان آخر ليخفف عنه ألمًا أو ينقذ حياة، تشكلت علاقة خاصة قوامها الثقة والرحمة والمسؤولية. غير أن هذه العلاقة تتعرض اليوم لاختبار قاسي في زمن طغى فيه منطق السوق على معظم مجالات الحياة، ولم يسلم منه حتى الجسد الإنساني. وفي زمن السوق تُقاس الأشياء بقيمتها المالية، وتُدار القرارات بمنطق الربح والخسارة، وتُختزل العلاقات في معادلات العرض والطلب. وحين تنتقل هذه المنظومة إلى مجال الصحة، يحدث التحول الأخطر فيتحول المريض من إنسان له قصة وألم وحق إلى حالة ثم إلى زبون ثم إلى فرصة. ويتحول الطبيب من حامل رسالة إلى مقدم خدمة، ومن صاحب قرار مهني إلى جزء من سلسلة اقتصادية تضغط عليه من كل اتجاه. وهذا التحول لا يقع فجأة ولا يُفرض بقرار واحد بل يتسلل تدريجيًا عبر سياسات صحية تفضّل العلاج المربح على الوقاية غير المرئية، وعبر نظم تمويل تكافئ الإجراء وليس النتيجة، وتحتفي بالتدخل وليس بالمنع، وتُهمل ما لا يُدر فواتير. وهكذا تُعاد صياغة معنى النجاح في الطب ليس بإنقاذ الإنسان من المرض بل بإدارة المرض بكفاءة مالية. وفي هذا السياق تصبح أخلاقيات الصحة مهددة لا لأن الأطباء لا سامح الله أقل أخلاقًا، بل لأن البيئة التي يعملون فيها تضغط باستمرار لتطبيع ما لا يجب تطبيعه. ويُقاس الأداء بعدد الإجراءات، وتُربط الاستدامة المالية بتكاثر الحالات، ويُكافأ التدخل أكثر من الوقاية، إن أخطر ما في زمن السوق الصحي هو التطبيع الصامت مع ممارسات تُفرغ الطب من معناه الإنساني دون ضجيج. التطبيع مع الإفراط في الفحوصات، ومع وصفات لا ضرورة لها، ومع تأخير الوقاية، ومع استسهال تحميل المريض تكلفة نظام صحي فاشل، ومع قبول فكرة أن من لا يملك القدرة على الدفع يملك حظًا أقل في الصحة والحياة. وهنا تُطرح الأسئلة الأخلاقية الكبرى التي لا يجوز الهروب منها هل تُدار الصحة لخدمة الإنسان أم لخدمة النظام؟ وهل تُقدّم الرعاية بحسب الحاجة الطبية أم بحسب القدرة المالية؟ وهل يبقى الطبيب وفيًا لقسمه حين يُجبر على العمل داخل منظومة تكافئ ما يناقض جوهره؟ إن أخلاقيات الصحة لا تُختزل في مواثيق مكتوبة أو شعارات معلقة على الجدران بل تتجسد في السياسات، وفي نماذج التمويل، وفي ترتيب الأولويات. فلا معنى للحديث عن أخلاق الطب في نظام صحي يجعل الوقاية عبئًا، ويجعل الرعاية الأولية هامشًا، ويضع المستشفى في مركز الحياة الصحية بدل أن يكون ملاذها الأخير. وفي الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تتضاعف خطورة هذا المشهد. فالهشاشة الاقتصادية، وضعف التنظيم، ونقص الموارد، تجعل المجتمعات أكثر عرضة لهيمنة منطق السوق الصحي، وأكثر قابلية لتحويل المرض إلى وسيلة استنزاف طويل الأمد. وفي غياب حماية تشريعية وأخلاقية قوية، يصبح الفقر عامل خطر صحي، ويصبح المرض مسارًا اجتماعيًا لا مفر منه. وإن استعادة أخلاقيات الصحة في زمن السوق لا تعني رفض الاقتصاد، ولا إنكار الحاجة إلى الاستدامة المالية، بل تعني إعادة ضبط العلاقة بين المال والإنسان. وتعني أن يكون التمويل في خدمة الصحة، لا أن تكون الصحة في خدمة التمويل. وتعني أن يُعاد تعريف النجاح الصحي بقدرته على تقليل الألم، لا تعظيم الإيرادات. وهذا الاسترداد الأخلاقي يبدأ من الاعتراف بأن الصحة حق إنساني غير قابل للتسليع الكامل، وأن الجسد ليس سوقًا مفتوحة، وأن الألم ليس فرصة. ويبدأ أيضًا من تمكين الطبيب مهنيًا وأخلاقيًا، وحمايته من ضغوط السوق التي تضعه في صراع دائم بين ضميره ومتطلبات البقاء. كما يبدأ من الاستثمار الجاد في التوعية والوقاية والرعاية الأولية، لأنها المجالات التي تعبر بصدق عن أخلاقيات النظام الصحي. فالنظام الذي يمنع المرض قبل وقوعه، هو نظام اختار الإنسان على حساب الربح، والعافية على حساب السوق، والمستقبل على حساب المكاسب السريعة. وفي زمن السوق، تُقاس الأمم ليس فقط بقوة اقتصادها بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها حين يمرضون. وتُختبر إنسانية النظم الصحية لا في أوقات الرخاء، بل في كيفية تعاملها مع من لا صوت لهم ولا قدرة على الدفع.

الصحة في النهاية ليست مهنة فقط ولا خدمة فقط، ولا سوقًا مهما حاولوا إقناعنا بذلك. الصحة موقف أخلاقي ومن دونه يفقد الطب روحه، وتفقد المجتمعات أحد آخر معاقل إنسانيتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى