الدينية

غزوة بدر الكبرى

فقد شاء الحق عز وجل أن يشرّف شهر رمضان بأكثر من تشريف، شرفه بأعظم حدث شهدته هذه الأرض وهو نزول القرآن، وشرفه بهذه العبادة العظيمة عبادة الصيام، وشرفه بأن كان شهر انتصار المسلمين في أول منازلة حاسمة بين الكفر و الإيمان، وإنه لمن المناسب أن يتذكر المسلمون كل عام الوقائع الإسلامية الفاصلة التي صادفت يومًا من أيام هذا الشهر المبارك وهي كثيرة، كالحبل الموصول يبدأ طرفه الأول بغزوة بدر الكبرى، الغزوة التي سماها القرآن الكريم بيوم الفرقان.

في السنة الثانية بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستقبل المهاجرين بدينهم كل يوم، ويدمجهم في المجتمع الجديد، مهاجرون تركوا كل شيء وراءهم، وخرجوا يريدون وجه الله تعالى، وفي المقابل وعلى بعد مئات الأميال في مكة قريش تعلن بعد الهجرة حالة الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتتصرف مع المسلمين المهاجرين كما تتصرف دولة محاربة، ومضت ليالٍ من رمضان ذلك العام فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر قافلة تجارية قادمة من الشام متجهة إلى مكة، يقودها أبو سفيان وفيها أموال قريش، فندب صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين أن يخرجوا لاعتراضها لعل الله يكتبها لهم، تعوضهم بعض ما أخذت منهم قريش عندما هاجروا من مكة، وخرج رسول الله بنفسه في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً، ولم يكن معهم سوى سبعين بعيرًا وفرسين، فكان الرجلان والثلاثة يتناوبون على ركوب البعير الواحد بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، روى النسائي بإسناد حسن عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ زَمِيلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو لُبَابَةَ فَكَانَ إِذَا كَانَ عُقْبَتُهُ قَالَا: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ فَيَقُولَ: «مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا»، وبلغ أبا سفيان خروج المسلمين لملاقاة القافلة، فاستجار رجلاً اسمه ضمْضَم بن عمر الغفاري، وبعثه إلى مكة يستصرخ قريشًا أن ينفروا لحماية تجارتهم، فنهضوا مسرعين، ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب، وخرجوا من ديارهم كما قال عز وجل: بَطَرًا وَرِئَاء ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانية فتكلم المهاجرون، ثم ثالثا فعلم الأنصار أن النبيّ إنما يعنيهم، فقال سعد بن معاذ وكان قد دفع إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، راية الأنصار كما دفع راية المهاجرين لمصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب، قال سعد بن معاذ: كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فأمض بنا حيث شئت، وصِل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت، وما أخذت منها كان أحب إلينا مما تركت، فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البَرْك من غمدان يعني أقصى الجزيرة لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، وتكلم المقداد مثل ذلك، فأشرق وجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بما سمع منهم وقال: ((سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم)).

وسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى موقع مناسب من مياه بدر، فنزل ومشى في أرض المعركة، وجعل يشير بيده الشريفة ويقول: ((هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ)) رواه مسلم، أي: هنا يخرّ قتيلاً صريعًا، فما تعدى أحد منهم موضع الإشارة النبوية. فلما طلعت قريش، وكانوا تسعمائة وخمسين مدججين بالسلاح قال رسول الله r: ((اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني))، وقام ورفع يديه واستنصر ربه وبالغ في التضرع، ورفع يديه حتى سقط رداؤه وقال: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال- 9]، فالتزمه أبو بكر من ورائه وقال: حسبك مناشدتك ربك يا رسول الله، أبشر فو الذي نفسي بيده لينجزن الله ما وعدك.

واستنصر المسلمون كلهم، وتهيئوا، فلما أصبحوا أقبلت قريش بكتائبها والتقى الجمعان، فمنح الله المسلمين أكتاف المشركين، فتناولوهم قتلاً وأسرًا، وانجلت المعركة عن نصر عظيم للمسلمين، فقُتِل من المشركين سبعون، معظمهم من صناديد قريش وأشرافهم، وعلى رأسهم أبو جهل، وأُسِر مثلُ العدد، بينما استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيداً.

فهذه غزوة بدر الكبرى موقعة الفرقان التي كانت فرقانًا بين الحق والباطل وإنه لجدير بالمسلمين أن يقفوا طويلاً أمام بدر وقيمها الحاسمة التي تقررها، وأن يعلموا أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة ففي هذه الغزوة أراد الله أن يري المسلمين مدى الفرق بين ما أرادوه لأنفسهم، وما أراده الله تعالى لهم، فقد أرادوا التجارة والعير وأراد الله لقاء النفير، ليرى المسلمون مدى ما بين إرادتهم لأنفسهم وإرادة الله بهم ولهم من فرق كبير، ويعلموا أن الخير دائمًا فيما اختاره الله سبحانه فعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» أخرجه مسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى