كتاب الرائ

حلقة مفاتيح – نيران طائشة –

مفتاح العمّاري -

 

 

حلقة مفاتيح                      مفتاح العمّاري

نيران طائشة

مفتاح غانم، مواطن بسيط من مدينة سبها، يحبُّ الشعر. هذا ما استخلصته حين التقينا لأول مرة في ربيع ٢٠٠٦ بمناسبة تظاهرة ثقافية في مدينته. مذ ذاك ونحن على تواصل، ولاسيما خلال محنة مرضي؛ إذ دأب على مواساتي أينما كنت. فهنا ثمة سرٌُ كبير من نقاء استثنائي لم أعهده، يهبه الخالق للندرة من عباده المحسنين.

كان هذا الرجل أحد هؤلاء الذين يظهرون في حياتك فجأة، كمكرمة للرحمة تتجلى عبر فضيلة الصوت وحده؛ فخلال ثلاثة عشرة عاما لم نتواصل إلا عبر الهاتف. كان أحيانا وبسجيته التي تخصه وحده، يشير في أثناء حديثه إلى أسماء كتاب ومثقفين وعناوين كتب أثيرة. لم أسأله يوما حتى بدافع الفضول فيما يتعلق بعمله أو قبيلته، كما لم أكن معنيا ما إذا كان غنيا أو فقيرا؛ إذ يكفي ثراء النفس. فقط عرفته من بعيد، ليظل قريبا (عبر صوته)، شغوفا بالحياة والشعر والأصدقاء وبمآثر مدينته سبها، يشيد بذاكرتها ومثقفيها ومبدعيها وسكانها الودودين، ورملها وشمسها وينابيع بهائها، كما لو أنه موسوعة متنقلة لعاصمة الجنوب. لهذا وطّن في ذاكرتي (المفارقة الأعجوبة) التي لا نتفطن لها إلا من خلال حكمة المرض، عندما يصطفيك شخص (تظن بأنه محض لقاء عابر) وإذ به يتفوق وبكل ما في الود من معنى؛ ليكرس لك قدرا وافرا من مودته، في وقت هجرك فيه بعض من كنت تظنهم من أصدقائك الخلص الذين فتحت لهم قلبك وبيتك ومكتبتك ومحفظة نقودك، فيما يتكفل رجل بسيط – دونما تجمل أو منّة – بمواساتك ودعمك معنويا، كصنف من مؤازرة رحيمة تذكرك بصفات ومآثر المريدين الأوفياء.

مساء الخميس الماضي، كان بمعية أصدقائه بإحدى مقاهي سبها، أردته رصاصة طائشة. ليرحل إلى عالم الأبدية، بطريقة درامية فاجعة لأهله وأصدقائه ومحبيه. لم يكن “مفتاح غانم” مجرد مواطن يجلس في مقهى وحسب؛ بل كان معلما داعما لجيل من المثقفين والكتاب والأدباء الشباب، تربى بفضل تشجيعه ونصحه وعنايته.

هكذا فقدت حاضرة الجنوب، فتاها المريد، عاشق الشعر، وخازن الجمال، وصائد المعرفة. فما أصعب أن تكون أرواحنا رهنا بنيران طائشة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى