تحقيقات ولقاءات

المرأة والمحاكاة المجحفة في الأمثال والأغاني !

 

الحلقة الثالثة

رصد : براءة الأحمر

 

(الكنة كنة لو كانت في الجنة، حب النسي والريح ماله دوله .. مهبول من يفرح للي يضحكوله، عقربين في غار ولا أختين في دار، الراجل باب عالكلاب، الراجل راجل والمرا مرا، البنت ضرت أمها، الراجل رحمه ولو كان فحمه، البنت كيف العصيدة وين تبرد ما ياكلهاش حد، اكسر للبنت ضلع يطلعلها عشرين، فزعة البنت العياط، حتى وهي مريضة ما تنسى القرية، خود البنات من صدور العمات ، اللي ما تعرفش تندب علاش يموت لأجلها، هم البنات إلى الممات، بقروشك تاخد بنت السلطان، اللي عنده البنات عنده الهم بالحفنات” ) وغيرها..

أمثالنا التي لا شك إننا نحفظها عن ظاهر قلب ونتلوها قبل حتى أن نتجاوز العشر سنين وقبل حتى أن نعرف معناها,إناث وذكور , أحيانا دون حتى أن نفكر في مضمونها ,أو لا نريد التفكير طويلا في مضمونها , لا نريد أن نصارح أنفسنا بأنها مسيئة ومحرضة.

 

مثل أي شيء من الموجودات فللمرأة نصيب من الأمثال الشعبية , طغى الجانب السلبي عليه بكثرة , وبرزت اللامساواة فيه بشدة , بشكل غريب رغم أن المرأة نصف المجتمع , والغريب هو أن المرأة نفسها من اشد المعجبين بهده الأمثال ومن اشد مستخدميها , والمحافظين على استمرارية هده النظرة النمطية للمرأة الليبية بصفة خاصة وللمرأة بصفة عامة, النظرة المشوهة الغير صحيحة والغير منصفة إطلاقا , وما يحدث الآن في العالم وحتى في حياتنا اليومية نفسها يثبت خطأها .

فلكل فرد صفاته الخاصة والتي لا يمكن أن تعممها على جنس بأكمله أو شعب بأكمله , ومع تكرار مثل هده الجمل تترسخ هده الصورة في ذهن الجميع , ذكور وإناث , هو لا يستطيع الوثوق في أي امرأة لأنها تركض وراء المال , ولأنها متقلبة المزاج وكل يوم برأي , ولا يستطيع تأمينها على سره لأنها ثرثارة , ولا يستطيع الاعتماد عليها في مسؤولية ما لأن المرأة امرأة والرجل رجل وفزعتها ستكون بالصراخ ليس إلا ولا يمكنها تولي المسؤولية وهدا شيء مقدس, وهي تضل في حالة شك دائما في رغباتها وقدراتها الداخلية وفي معارفها من النساء, هل أنا فعلا ثرثارة , هل أنا فعلا نمامة ,هل استطيع تحمل المسؤولية؟ , وبعد مرحلة الشك هده تنتقل لليقين الحتمي بسبب الوهم .

غضبت إحدى السيدات مرة عندما أخبرتها بأن مثل “البنت لعمتها ولو كان من كعبتها” مثل مغلوط وغير صحيح إلا لو كان المقصد من المثل هو التشابهات البيولوجية الوراثية التي ليس لنا يد فيها , وأن الشخصية لا يمكن أن تورث بل تبنى

علينا أن ننظر لأمثالنا على أنها أقوال وافتراضات واستنتاجات لأشخاص ماتوا مند عشرات السنين قابلة للتشكيك والرفض قابلة لعدم التصديق, ولا يجب أن نعتبرها مقدسات لا تخطئ, يجب أن نتعلم تجاوزها, وتجاوزها لا يعني أبدا التخلي عن أصلنا وجذور حضارتنا.

وبينما نحاول نحن ذلك نجد أمامنا سد أخر , سد يجدد أفكار أسلافنا بطريقة عصرية مستحدثة , سد يخبرنا بأنه لا يمكن أن ننسى، فإن مات الجد و أصيبت الجدة بالزهايمر ولم نحفظ من أمثالهم شيء فهو سيأتي لينقل لنا أفكارهم بطريقة أكثر تفاعلاً ومرحاً، بالأغاني ..

أغانينا التي نغنيها ونعتز بها ونحن في قمة السعادة , متغاضون عن المعنى العنصري لها , غير راغبين في رؤية الجانب الوحشي المحتفي بالذكورة والمحط بقيمة الأنثى و النساء لأنه سيجعلنا نواجه أنفسنا .. ونوقظ ضميرنا ,يجعلك ذلك تفكر لوهله , أيعقل أن هذه الأغاني من صنع المرأة نفسها , أم أنها من صنع الذكر الذي تحدث عنها في وجودها وغيابها وتحدث باسمها ونيابة عنها,لأنه من غير المنطقي أن تنظر النساء لأنفسهن بنظرة كهذه !, أو ربما هي فعلا من صنع المرأة اللاواعية .. الذكورية , كيف من الممكن أن تشعر إحداهن بالنقص من جنسها وتقديس الجنس الآخر إلا إذا تم تلقينها وترسيخ ذلك في دهنها “حتى كان بنته جينا سلم الصقر اللي مربينا” , “لا تضربوني لا تقولوا سابت .. سلم ولد باباي وأمي جابت ” ترفع من مكانة الذكر وأيضا تنسب الابن إلى الأب وتقتصر مهمة الأمومة على الحمل والولادة بل وتفصح أيضا عن ان العنف شيء وارد ومتعارف عليه

“يا سلم رجال المربوعة اللي خلو فلانة دلوعة ” , لا يمكن لفلانة أن تكون “دلوعة” إلا بوجود رجال في المربوعة وإلا فلا يتأتى وذلك قائم على أسباب عديدة مبنية عليها المنظومة الذكورية ف, “يا سلم درجاح نقابه منه وخي ومنه بابا ” تغنى أن كان والد الفتاة متوفي والمسئول عن شؤونها والوكيل عليها هو أخوها الأكبر أن كان قادر على تحمل المسؤولية بدل من عمها , وهذا قائم طبعا على أساس القوانين المفروضة من قبل الدولة والدين , مدعية بذلك المقطع مواساته ونفسها.

“اللي ماعنده حوش بروحه لا يجينا لا يتعب روحه” وغيرها أغنية تثبت مفهوم أن كل هم المرأة هو المال والمنزل من الشريك ..

“هدا وين نجحتي حق نجاحك الأول غير ورق” أغنية تدعم الأمية وتُشدد على أن المرأة ليست الا الزوجة والأم ولا العلم ولا الثقافة ستنفعها بشيء لأن “نهاية المرأة بيت زوجها” ..

انظر إلى وجه العازبة الأربعينية والعاقر و أم البنات وهم يصفقون ويرددون , “ضي الحوش أنا ووليدي والمفتاح مسكته بايدي” الأغنية التي تحمل المرأة فيها ابنها وترقص فيه وسط السيدات الأخريات , وكأن الذكر المولود هو من يحدد قيمة هده الزوجة او الأم أو الكنة، هو الضمانة الأبدية لبقائها لأنها أم الولد.

“وين عرفها بنت اوصول جاها للمربوعة طول ” ,قد تجعل عدد من الحاضرات العازبات يشعرن بشعور سخيف , “هل المقصد أننا لسنا بنات أصول؟ , ماهي الأصول؟”

والعنصرية القبلية “سلم ولد العم الداني ما خلاها للبراني” ابن العم هو الذي لم يدعها للأجانب سواء وافقت او لا فلا, والشعور الدائم للإنسان الشرقي بأنه محسود حتى وان كان ينام في الشارع ,رافقت الأغاني ايضا ” اني في حوشي مرتاحة والناس عليا نباحة ”

والمعركة العنصرية الأكبر هي التي تكون بين أهل العرسان تجلس لتستمع الأغاني المنمطة للاثنين , من كون المرأة ثرثارة وتنقل الكلام منذ اليوم الأول “يا مبروك عليه الدار جبناله نشرة الأخبار” “الغالي جبناله سماعة والكلمة توصل في ساعة “، الى التي تحصر الذكر في شكل الثور الغاصب المحتاج لأنثى ما لتفريغ غضبه عليها دون أن تعترض طبعا ” يا مبروك عليه الشيخة وافتكينا من تكشيخه”.

ولا ينتهي العرس دون المفاخرة بالشرف “حتى كان بنات مدارس معروفين ذهبنا خالص” وهي أغنية قديمة تشكل نظرة خاطئة عن المدرسة والمرأة العاملة او المتعلمة, ”

ولا يقتصر هذا على الأغاني الليبية فقط بل العربية والعالمية أيضا

وليس ذلك مقتصر على الموسيقى الحديثة من راب والمهرجانات فقط بل هو أقدم من ذلك , وكان أول ظهور لها في مصر مع أغاني المقاهي لام كلثوم في العشرينات والسيد درويش ثم عدوية في السبعينات فقد كانت أغاني شعبية جديدة غير مستساغة مفسدة للذوق العام آن ذاك , ومن ثم بعد التلفاز الملون و(الفيديو كلبات) صرنا نشاهد ونستمع ل محمد اسكندر في (جمهورية قلبي) و تامر حسني في (سي السيد) وناجي الاسطى (ايه نعم ) وربيع جميل (عصبت عليها) وحتى دنيا سمير غانم في (وحدة تانية خالص), وأغنية (ليس لها ماضي) والتي من العنوان يتضح أنها تعاير النساء بماضيهن العاطفي رغم رضاها وتفاخرها بالماضي الجامح للرجال, بمشاعر لا نفهمها , أحيانا نأخذها على محمل السخرية والدعابة ضاحكين وأحيانا مؤيدين وأحيانا خاشين المعارضة.

و تطور الأمر وفتك بالسينما والدراما في المسلسلات والأفلام والبرامج المرئية والمسموعة وحتى الإعلانات الدعائية و مقاطع (التيك توك) وأصبح خارج السيطرة ولا يمكن تهذيبه وإيقافه إلا بوجود شعوب واعية مثقفة ترفض أي كان المعروض الذي يقدم لها المتعة على حساب إنسانيتها .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى