كتاب الرائ

الفنان الليبي (معتوق أبو راوي) .. يغرد خارج السرب..

 عبدالرازق عكاشة

 طائر مغرد في أمكنة أخري من الحلم!!

   لم أكن أعرفه بشكل مباشر. في البداية، بدأت ألوم نفسي، لكن فهمت أشياء كانت صادمة لي. أشياء كبيرة في شبه رسم مخططات عربية رهيبة لفرض هيمنة ناس بأعينهم. لكن ألوم نفسي؛ لأن كيف لا أعرف الفنان والأستاذ الجامعي في الفنون والاتصال بجامعة طرابلس.

والمقيم في غرناطة الأندلس (معتوق أبو راوي)، وأنا الفنان الباحث الذي أجوب دول العالم أحيانا. لكن في الحقيقة كذلك وانا ابحث وجدت فنان وناقد عربي نزيه بمعني الكلمة هو عدنان معتيق Adnan Meatek الذي كتب عن الفنان ويكتب بحرية دون أملات من أحد.

  * أبو راوي فنان ينتمي لجيل التسعينات في الفن الليبي المعاصر.  صاحب هذه الفرشاة الحرة. هذا العاشق المجنون في أدائه وضربات وقوة وحركة البناء. الحالة الشعرية. المزج الطازج بين الطاقة واللون.

الفنان الليبي معتوق أبو راوي
الفنان الليبي معتوق أبو راوي

  هو فنان معروف له مكانة دولية في إسبانيا ودول عديدة. ونفتخر أنه العربي الليبي المهموم بقضايا البشر ومن ثم الناس.. البحر. المهاجرين والمفقودين. الشاطئ الواسع.. والبحر الأكثر عمقا وغرقا..  مهموم لدرجة تشعرك أنه يمد يده داخل البحر المتوسط. ليستخرج ألوانه الزرقاء، فيعجنها في ذات الوعاء مع ألوان المفقودين، في رسم تلك اللوحات الدرامية والرمادية. فنان مهم جدا لكنه خارج السرب.. وخارج الحسابات التخريفية (لمدعي الوصايات العربية أو أوصياء الفن العربي في المهجر)، اللذين يجعلون من أنفسهم، متحدثين أمام دول العالم عنا، واهمين أنفسهم والغير بالتضخم والغطرسة.  وللأسف حين نفتش في الدفاتر العربية ستجد كوراث صنعها هؤلاء (أصحاب المافيات العربية). المجاملين والأفاقين، اللذين يتخيلون أن لأصحاب الصدق علامات علي الرأس مثلهم، بل ويكيلون للشرفاء نفس الاتهامات المتهمين هم أنفسهم بها، يتخيلون أن الكل يأكل من نفس المعون الذين يأكلون فيه، وكأنهم أكثر فهما وأكثر واعيا حتي من المتلقي. أو كأنهم لا يعرفون أن الكلمة تقتل الحر. أما هم (فلا) لأنهم ربطوا أنفسهم بثقافة العبودية القديمة، فلا تقتلهم الكلمات ولا حتي الرصاصات أمام الدولارات والريالات.. أصحاب الضمائر الموجهة.. بعيدا عن هذا أو ذاك لأني فعليا لا أقصد أحد بقدر ما استفزني حرية وجماليات الفنان ابو راوي، وعدم حضوره في المشهد العربي بالشكل اللائق بمكانته الدولية.

 هنا أصرخ.. وأخرج ما في جعبتي من وجع عربي والقائمين علي الفن والثقافة العربية. صاحب تلك الريشة النظيفة الحية. التي تعبر عن الحرية الفنان معتوق أبو راوي .. حريته تفوق الخيال. معكوسة في اللون والخط أو حتى في التحليق في فضاء فخم.. مثل عصفور الكانريا الملون، فضاؤه سماء الله الواسعة. وأرض لا يحدها بصر .. في هذا الفضاء الذي لم يذهب إليه الكثيرون من الفنانين العرب. وربما الأجانب، في أعماله وطن لا تحده جغرافيا. وحلم لم يحدده الزمن، وقطار يسير لا يقف في إشارات العابرين أيا كان لونها. 

 **معتوق أبو راوي متوق بالحرية**

_تشعر وأنك كمتلقي أمام أعماله، وكأنك تلعب في جرن القمح القديم. فمساحة الفضاء فيه أكبر من الكون المصغر حولك. الألوان تتنافس مع طازجة ألوان لوحة (جرن القمح) عند فان جوج.. الخط يطول بشكل حقيقي ولا ينتهي بنهاية إطار اللوحة المحدد سلفا، مبهر هذا الفنان!! لأنه يأخذك من يدك إلى اللامتناهي..  إلى أبعد نقطة بصرية في تلك المساحات الزرقاء الملونة بدرجات مدهشة، كنص شاعري وسط كتاب غارق في الرومانسية، وهذا تأكيد علي عمر وخبرة الفنان الملون البارع. نعم تراكم أفكاره ورؤياه واتساع بصيرته التي يعكسها. طبقة فوق طبقة. حتى يعطي لك قدرته علي التخيل معه..

 أبو راوي.. من أفضل الفنانين اللذين أشهد لهم بحرية وجودة التعامل مع المساحات بحرية كبيرة ومبهرة.. نموذجا في مرحلة قبل التي يعمل بها الآن.. اما في هذه المرحلة فيعمل علي الأرض والفضاء والمتسع الجغرافي. لديه خيال مبهر في تأمل المطلق، وكأنه يقف علي حدود الطفولة ويلهو أو يفكك ويعيد رص الألوان والكلمات والجمل الشاعرية.. فهو عاشق حقيقي للشعر وعمل في دمشق علي مشروع كبير  ، ربط بين الشعر والصورة .. مثقف حقيقي. ترجم أشعار لشعراء من إسبانيا والعكس من العربية إلى الإسبانية.. درس الدكتورة في جامعة غرناطة. فبين البحر في ليبيا الصحراء والأرض بين التاريخ والتراث الأندلسي في غرناطة.. ثم رائحة البيوت عبق الأصالة في دمشق كل ذلك. كان استفزازا مباشر، لاستنهاض مافي جعبته. كشاب باحث ومفكر ثم فنان إلى أن أصبح خبير فنون..

 احتفل به متحف المكسيك العام قبل الماضي احتفالا يشرف كل عربي حقيقي. ويضيف إلى الذاكرة العربية.. فنانين صنعوا المجد في الغرب ولم يحصلوا علي القدر الكافي من الحق في العالم العربي. بسبب تلك المافيات أو هذه العصابات .. ويظل نموذجا حي علي الظلم  مثل (عمر حمدي مالفا) الرائع _الله يرحمه كان  في النمسا .. ومروان قصاب باشي في ألمانيا رغم انه اخد الكثير لكن ليس بما يستحق حقيقي.. ومحمد القاسمي المغربي في فرنسا،  

  *أبو راوي الرائع والشعور بالظالمين*    ____________________________

 في أعماله السابقة كان يعمل أبو راوي علي البحر والمراكب الغارقين والناجين. الطائرين في السماء والسابحين بغير هدف. والغارقين بغير أمل، كانت فرشاة مبللة من وعاء الطاقة الجبارة الذي لا يجف ولا ينضب منه.. تخرج منه الألوان حرة نقية بسيطة لتعيد ترتيبها ذاكرة المتلقي وعينه.. يلقي باللون ويترك لكل عزيز القدرة علي التحديد والقراءة، كما تحب أن تدرك بمشاعرك ووجدانك بعيدا عن العقل المرتب المنظم المنمق، فهي أعمال وجدانية رشيقة ذات قيمة وقيم إنسانية بصرية مرتفعة كثيرا عما نشاهده في عالمنا اليومي، اعمال وجدانية حسية. وليست حسابية عقلية. في تلك المرحلة السابقة، كانت أعماله أناشيد مصورة للوجع والدراما.. مطرزة بالخيال المطلق. والحرية اللونية الشاعرية. أكثر من أشكال يتدخل فيها العقل، قد يظن بعض النقاد العرب أنه من أبناء تلك المدرسة التعبيرية المباشرة. لأنه يرسم بتلقائية اللحظة المباشرة فعليا، وبطازجة الحس المباشر الحي ..

 لكن أنا أري أنه أحد أهم الفنانين المنتسبين بجدارة إلى الشاعرية البصرية. وأن سرعة وجودة التعبير المباشر حاضرة بقوة من مركز الخبرة الكبير لدية من مركز علاقة بالشعراء وحريته في الكتابة…

 هنا أقارن بينه وبين المغربي المرحوم الرائع مولانا وسيد الحداثة العربية محمد القاسمي. أبو راوي يعمل بنفس الحالة الشاعرية منتقلا بين حب جويا في اسبانيا إلى حرية راقصات ديجا، إلى قوة خطوط بيكاسو أثناء دراسته في غرناطة وتحويل ذلك الي ملحمة تعبر عن هموم الانسان المعاصر بمشاكله وحلمه في الهجرة والتنقل بعد أن ضاق الرزق علي الكثيرين والحرية علي القليلين… ضيق الحرية نعم لا يشعر به إلا القليل في عالم اختلطت فيه حب الأفراد بمساحة الوطن. اختلطت فيه الربط بين الزعماء الحاكمين والأرض فضاء الإنسان ومركز انطلاق حريته الكبيرة.. أبو راوي اختار الأرض وانحاز للإنسانية..  لتصبح لوحته أقوى من عبر عن الأرض والأرض والإنسان.

معتوق أبو راوي
احد اعمال الفنان معتوق أبو راوي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا للفنان التشكيلي العالمي عبد الرازق عكاشة على هذا المقال الثري عن فنان ليبي قدم ابداعا وفن مشرف ..ووسط الظروف الذي يمر بها الوطن العربي من فوضى وحروب ،يكون الفنان هنا طوق النجاة لشعبه وللانسانية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى