الدينية

إن المتأول إذا كان يسوغ تأويله فإنه لا يؤاخذ به

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ : (( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ )) ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ . أخرجه البخاري

قد خرج القوم ونعم القوم هم ، فصلَى قوم في الطّريق ففي الوقت ، وَقَالُوا : إنّما أراد التّعجّل لا تفويت الصّلاة .

وأخّرها قوم إلى أن وصلوا وصلّوها بعد الوقت تمسّكا بظاهر لفظ العموم .

فلم يعنّف النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واحدة من الطّائفتين.

وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ ‌فَلَهُ ‌أَجْرٌ )) أخرجه مسلم

فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده فله أجر فيما أداه اجتهاده إلى أنه حق عنده وأسقط عنه بذلك الإثم وإن كان مخطئا في الحقيقة عند الله تعالى..

فكل واحد منهم تأول ، وعمل بما تبين له ، ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدا منهم ، ولم يأمر المخطئ منهما بالإعادة ..

وهكذا دأب الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا فعل الشيء متأولا لم يعنفه ولو خالف فيه ؛ لأن المتأول معذور ، وإذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر .

ولهذا كان من شروط التكفير بما يُكفر أن يكون الفاعل أو القائل غير متأول ، فإن تأول فلا كفر .

وهذه قاعدة جليلة ينبغي أن تكون واعية في حسنا : أن المتأول إذا كان يسوغ تأويله فإنه لا يؤاخذ به .

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه : خرجَ رجلانِ في سفَرٍ ، فحضرتِ الصَّلاةُ وليسَ معَهُما ماءٌ ، فتيمَّما صَعيدًا طيِّبًا فصلَّيا ، ثمَّ وجدا الماءَ في الوقتِ ، فأعادَ أحدُهُما الصَّلاةَ والوضوءَ ولم يُعدِ الآخرُ ، ثمَّ أتيا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فذَكَرا ذلِكَ لَهُ فقالَ للَّذي لم يُعِد : (( أصبتَ السُّنَّةَ ، و أجزَأتكَ صلاتُكَ )) . وقالَ للَّذي توضَّأَ وأعادَ : (( لَكَ الأجرُ مرَّتينِ )) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الألباني

لا إله إلا الله … في هذا الحديث صرح الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأن ترك الإعادة من إصابة السنة ، فمن علم السنة لزمه الأخذ بها ، وعدم مخالفتها ، وأما من صلى مجتهداً لا يعلم السنة في هذا ، فله أجران بمجموع الاجتهادين : أجر على صلاته بالتيمم ، وأجر على إعادة صلاته بالماء .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” (( لَكَ الأجرُ مرَّتينِ )) : لأنه قد عمل مجتهدا متأولا ، والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، فصار له الأجر مرتين ، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأول بإعادة الصلاة ، لأن صلاته أجزأته ، ولم يوبخ الثاني ، لأنه مجتهد ، والمجتهد لا يوبَّخ حتى لو أخطأ “. شرح بلوغ المرام

وفي الحديث لطفُ الله بعباده ، والتّيسير عليهم ورفع الْمشقّة والحرجِ عنهم

ومن هنا تتبين لنا حقيقة ينبغي أن نسلكها مع الناس في قيامهم بحق الله الذي أوجبه عليهم ، فمن أخطأ مجتهدا طالبا رضى الله فلا نعنفه، وإنما نبين له الحق ..

فمن صام متّبعا لما قرره العلماء الكبار مع ولي الأمر ، ومن أفطر سرا لفتوى بعض أهل العلم ، فلا ننكر عليهم .. ونبين لمن كان عن الصواب بمعزل الحق في هذه المسألة بقول لين و عبارة لطيفة ..

وكذلك فيما يتعلق بحقوقنا ، فلو أساء إلينا أحدهم إساءة يظن أنه محسن الينا فلا تعنفه لأنه محسن ، ‌وما ‌على ‌المحسنين ‌من ‌سبيل ..

ولو أننا سلكنا مع الناس في حق الله ، ومع الناس في معاملة الناس هذا المسلك لحصلنا على خير كثير ، ولم الله شعثنا . . والله المستعان وعليه التكلان .

كتبه الشيخ: نصرالدين العباني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى