الصحة في زمن الحروب المتوسعة

الصحة في زمن الحروب المتوسعة
لم تعد الحروب المعاصرة معارك محدودة في الجغرافيا أو الزمن بل تحولت إلى صراعات ممتدة ومتداخلة وعالية التكلفة الإنسانية، ولا تُقاس بعدد الجبهات فقط بل بعمق الأثر الذي تتركه في حياة المدنيين وفي قدرة المجتمعات على البقاء صحيًا. وفي هذا السياق لم تعد الصحة شأنًا لاحقًا للحرب بل أصبحت إحدى ساحاتها الأكثر هشاشة وأكثرها صمتًا وأكثرها نزفًا. وفي الحروب المتوسعة لا يكون الضحايا فقط من يسقطون بالقذائف بل كل من تُقطع عنهم سلاسل الإمداد الطبية، وكل من يُحرمون من دواء مزمن، وكل من تتعطل لديهم خدمات الطوارئ، وكل من يُتركون بلا إسعاف، وبلا كهرباء وبلا ماء نظيف وبلا نظام صحي قادر على الاستجابة. وهنا يصبح المرض سلاحًا غير معلن وتتحول المنظومة الصحية إلى هدف غير مباشر، لكنه بالغ الفعالية. وأول ما تنهار في الحروب ليس المستشفيات بل القدرة على التنظيم. والطوارئ تُغرقها الأعداد، والإسعاف يعمل في ظروف غير آمنة، وسلاسل الفرز الطبي تتفكك، ويُستنزف العاملون الصحيون جسديًا ونفسيًا. والطبيب والممرض والمسعف لا يعملون في بيئة علاج بل في بيئة تهديد دائم، حيث يصبح تقديم الرعاية مخاطرة والبقاء في الخدمة فعل شجاعة يومي. والحروب المتوسعة تضرب قلب سلاسل الإمداد الطبية. والشراء يتعطل، والنقل يصبح خطرًا، والتخزين يفقد شروطه، والأدوية الحساسة تنقطع، والمستلزمات الأساسية تُستهلك أسرع مما يمكن تعويضه. ومع غياب التخطيط المسبق، تتحول الأنظمة الصحية إلى ردود أفعال متأخرة، تُدار بالأزمات وليس بالسيناريوهات، وبالارتجال وليس بالاستعداد. ولا يقتصر الأثر على الإصابات الحربية المباشرة. فالأمراض المزمنة تتحول إلى أحكام قاسية مريض السكري بلا أنسولين، ومريض القلب بلا دواء، ومرضى الغسيل بلا كهرباء، والنساء الحوامل بلا متابعة، والأطفال بلا تطعيم. في زمن الحرب لا يموت الناس فقط بالقنابل بل بالمضاعفات التي كان يمكن تفاديها في زمن السلم. والأثر النفسي للحروب المتوسعة لا يقل تدميرًا عن الأثر الجسدي. الخوف المستمر وفقدان الأمان، والنزوح وفقد الأحبة وانهيار الروتين اليومي، كلها عوامل تُنتج موجات واسعة من الاضطرابات النفسية والاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة. والأنظمة الصحية التي لا تضع الصحة النفسية في صلب استجابتها تترك جرحًا طويل الأمد لا يلتئم بانتهاء الحرب. وفي المناطق المتأثرة تتغير خريطة الأولويات الصحية. والوقاية تتراجع والرعاية الأولية تتعطل، والصحة العامة تنهار، وتزداد مخاطر الأوبئة نتيجة الاكتظاظ، وسوء الصرف الصحي، وتلوث المياه، وانقطاع برامج التحصين. وهنا يصبح خطر المرض جماعيًا وليس فرديًا وعابرًا للحدود وليس محليًا فقط. أما القوى العاملة الصحية فهي العمود الفقري المنسي. تُستنزف وتُستهدف أحيانًا وتُهجَّر أو تُجبر على العمل بلا حماية وبلا دعم نفسي وبلا أفق واضح. ومع كل طبيب أو ممرض يغادر أو يسقط، تفقد المنظومة الصحية ذاكرة وخبرة لا تُعوض بسهولة. الحرب لا تقتل الحاضر فقط بل تسرق المستقبل الصحي للمجتمع. وفي ظل هذا المشهد يصبح التعامل الصحي مع الحروب المتوسعة مسألة استراتيجية لا إنسانية فقط. والمطلوب ليس رد الفعل بل الاستعداد المسبق وأن تُبنى أنظمة صحية مرنة قادرة على العمل في ظروف عدم الاستقرار. وأن تُؤمَّن مخزونات طبية استراتيجية، وتُنوع سلاسل الإمداد وأن يُدرب العاملون الصحيون على طب الطوارئ والكوارث، وعلى العمل في بيئات عالية الخطورة وأن تُدمج الصحة النفسية في الاستجابة من اليوم الأول وليس كترف لاحق. وأن تُحمى المرافق الصحية والعاملون فيها باعتبارهم خط الدفاع عن الحياة، لا أهدافًا جانبية. والأهم من ذلك أن يُعاد تعريف الصحة في زمن الحرب بوصفها حقًا إنسانيًا غير قابل للتفاوض وليس ورقة ضغط ولا أداة مساومة، ولا خسارة جانبية مقبولة. فالمجتمع الذي تُدمر صحته، حتى لو نجا من الحرب عسكريًا يخرج منها منهكًا ومكسورًا وغير قادر على التعافي. والحروب المتوسعة تُعلّمنا درسًا قاسيًا أن الأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بالحدود والسلاح بل بقدرة الناس على الحصول على علاج وعلى إنقاذ طفل وعلى استمرار حياة مريض، وعلى حماية كرامة إنسان في أقسى الظروف. الصحة هنا ليست خدمة بل صمام أمان حضاري. إن تقليل الخسائر البشرية في المدنيين لا يبدأ في غرف العمليات فقط بل في السياسات وفي التخطيط وفي الاستثمار في أنظمة صحية قوية قبل أن تبدأ الحروب ليس بعدها. لأن النظام الصحي الذي يصمد في الحرب، هو نفسه النظام الذي يبني السلام بعدها. وفي زمن تتسع فيه دوائر الصراع يصبح الدفاع عن الصحة دفاعًا عن الإنسانية نفسها. فحين تنهار الصحة لا يبقى من الحرب سوى الخراب. وحين تُحمى الصحة يبقى للحياة فرصة حتى وسط الدمار..
د.علي المبروك أبوقرين





