ليبيا والنكوص الصحي الخطير

د.علي المبروك أبوقرين
عانت ليبيا لعقود طويلة قبل النفط وقبل قيام الدولة الحديثة، من أوضاع صحية كارثية تجلت في انتشار أمراض معدية فتاكة مثل الطاعون والجدري والحصبة والكوليرا والتيفوئيد وشلل الأطفال، إلى جانب أوبئة متكررة، وانعدام شبه تام للخدمات الصحية، وارتفاع مخيف في وفيات الأمهات وحديثي الولادة والأطفال دون سن الخامسة، وتدني واضح في متوسط الأعمار، وسوء عام في الصحة العامة لغالبية السكان نتيجة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض. ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبناء الدولة ومؤسساتها، حققت ليبيا قفزة نوعية في مؤشرات الصحة والتعليم والمعيشة والحماية الاجتماعية، وبلغت في مراحل معينة مستويات متقدمة إقليميًا ودوليًا، وهو إنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سياسات عامة واضحة واستثمار مباشر في الإنسان باعتباره رأس المال الحقيقي للدولة. غير أن التحذير اليوم بات ملحاً وخطيرا، إذ تشير الوقائع إلى خسائر كبيرة ومتسارعة في كل ما تحقق سابقًا من مكتسبات معيشية وحياتية في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاقتصادية، بما ينذر بالعودة السريعة لأمراض معدية فتاكة عرفت ليبيا مآسيها قديمًا، إضافة إلى تفاقم الأمراض المزمنة والمناعية والنادرة، وانتشار أمراض سوء التغذية، وظهور أنماط مرضية جديدة تفرضها الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية المتدهورة . وتزداد خطورة هذا النكوص الصحي إذا ما وضع في سياقه العالمي حيث يشهد قطاع الصحة اليوم تحولات علمية وتقنية وتكنولوجية ورقمية غير مسبوقة، مدفوعة بتطورات متسارعة في الذكاء الاصطناعي، والطب الدقيق والبيانات الضخمة، والروبوتات الطبية، وأنظمة التشخيص المبكر، والوقاية الذكية، والتأهيل المتقدم، ومكافحة الأمراض بوسائل لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة. هذه التحولات لا تغيّر أدوات الصحة فقط، بل تعيد صياغة مفاهيم الوقاية والعلاج وجودة الحياة ومتوسط الأعمار، وتفتح آفاقًا لعالم يطمح إلى مؤشرات صحية وتعليمية ومعيشية أعلى بكثير مما كان عليه بالأمس القريب. وفي المقابل يعيش العالم ذاته تحت تهديدات صحية متعاظمة، تتمثل في أمراض وأوبئة وجوائح محتملة، وتغيرات بيئية ومناخية واقتصادية عميقة، ذات آثار مباشرة وكبيرة على صحة السكان، والأمن الصحي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل امتلاك أنظمة صحية وطنية قوية وقادرة على التكيف والاستجابة السريعة شرطًا أساسيًا للبقاء وليس مجرد خيار تنموي. ورغم قتامة هذا المشهد، فإن الحقيقة التي لا يجوز القفز عليها هي أن ليبيا تملك الإمكانيات المالية والبشرية والمؤسسية التي تؤهلها للنهوض بنظام صحي وطني موحد وقوي وفعال ومنصف، بعيدًا عن التشظي والفوضى وتضارب المصالح. وبالإمكان، إن توفرت الإرادة السياسية والرؤية المهنية الصارمة، أن يكون لليبيا نظام صحي حديث وعصري يحقق التغطية الصحية الشاملة، ويضمن الجودة العالية، ويعيد الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة الصحية، قبل فوات الأوان. غير أن طريق الإصلاح الصحي لن يكون سهلًا ولا سريعًا، بل هو مسار شاق يتطلب قرارات صعبة، وتشريعات حازمة، وإدارة كفؤة، ومحاسبة حقيقية، وفصلًا واضحًا بين الخدمة الصحية كحق إنساني أصيل وبين العبث والارتزاق وتجارة المرض. إن التأخر في إصلاح النظام الصحي لم يعد مجرد إخفاق إداري، بل خطر وجودي يهدد حياة الناس ومستقبل البلاد، ويضع ليبيا على حافة العودة إلى زمن الأوبئة والأمراض الفتاكة التي ظنت أنها تجاوزتها إلى غير رجعة. هذه رسالة إنذار للرأي العام ولصناع القرار، وللقائمين على القطاع الصحي إما إصلاح جذري عاجل يعيد بناء نظام صحي وطني قوي وقادر على مواكبة عصره وحماية شعبه، أو انهيار صحي شامل ستكون كلفته الإنسانية والاجتماعية والسياسية أفدح من أن تُحتمل.






