كتاب الرائ

العلة والعافية

د.علي المبروك أبوقرين

العِلة ليست المرض بل ما يُنتج المرض ويُطيله ويمنع التعافي منه. والعِلة مفهوم أوسع من الجسد وأعمق من العرض وأخطر من التشخيص . هي الخلل الذي يتسلل إلى النظام وإلى القرار وإلى الإدارة وإلى القيم، ثم يظهر لاحقًا في الجسد على هيئة مرض. بهذا المعنى فإن ليبيا لا تعاني فقط من أمراض تفتك بالناس بل تعاني من علل متراكبة ومتراكمة تجعل المرض نتيجة طبيعية وتجعل العافية حالة بعيدة المنال . والعِلّة الأولى في ليبيا هي غياب النظام الصحي بوصفه منظومة متكاملة، لا كمباني ولا كميزانيات . نظام صحي مفكك ومتفتت وبلا رؤية جامعة وبلا هيكل واضح وبلا سلطة حقيقية. وقطاع عام متدهور الخدمات ومرهق الكوادر ومحدود الإمكانات، يُحمَّل فوق طاقته ويُترك دون حماية أو تطوير ، وفي هذا الواقع لا يعود المستشفى مكان علاج بل محطة عبور للمعاناة. وتتعمق العِلة حين يغيب الطب الوقائي وتُهمش الرعاية الصحية الأولية. ولا تحصين فكري ولا صحي قبل المرض ولا متابعة  لا كشف مبكر، ولا نمط حياة صحي يُبنى منذ الطفولة. ننتظر المرض حتى يستفحل ثم نتحرك متأخرين. وهنا لا يكون الفشل طبيا فقط بل فشل رؤية لأن كل نظام صحي لا يجعل الوقاية أساسه محكوم بالإنهاك والانهيار ، ثم تأتي علل الإمداد الطبي وهي من أخطر العلل لأنها تمس حياة الناس مباشرة. في نقص الأدوية وانقطاع أصناف حيوية  وغياب الاستقرار في التوريد وضعف التخزين وسوء التوزيع. وفي هذا الفراغ تنتشر الأدوية المغشوشة ويزدهر التهريب في الاتجاهين وتضيع الثقة بين الطبيب والمريض والدواء ، ويصبح العلاج مقامرة ويصبح الشفاء احتمالًا لا ضمانًا . وعندما يعجز القطاع العام يتمدد القطاع الخاص بلا ضوابط كافية . وهنا تتجلى عِلة أخرى هي استنزاف دخل الناس ومدخراتهم دون عافية تُرجى. ومصحات وعيادات تعمل خارج منظومة وطنية موحدة، وبلا التزام فعلي بتتبع الحالات وبلا تقييم للنتائج وبلا مشاركة للبيانات إن وجدت أصلا بيانات حقيقية ومتكاملة . ويدفع المريض كثيرا  ويتألم أكثر ، ويخرج أحيانًا بلا تحسن حقيقي، فقط لأنه لا يوجد نظام يربط العلاج بالنتيجة ولا يحاسب على المآلات. وتتفاقم العِلة مع غياب الإحصاء الصحي الحقيقي . فلا نعرف بدقة من يمرض ولا لماذا ولا كيف تطور حاله، ولا ماذا كانت نتيجة التدخل. وغياب السجلات الصحية والملف الصحي الموحد يجعل المجتمع بلا ذاكرة صحية. والمريض الواحد يتحول إلى أرقام متعددة، والحالات تتكرر والأمراض لا تُقرأ كنمط، بل كحوادث منفصلة. في هذا الظلام يستحيل التخطيط وتستحيل الوقاية، وتصبح القرارات عشوائية.

ثم عِلة العلاج في الداخل والخارج. علاج داخلي بلا منظومة متكاملة، وعلاج خارجي بلا تتبع ولا تقييم ولا نقل معرفة. مرضى يسافرون وأموال تُنفق، ونتائج لا تُقاس، وتجارب لا تُستثمر وكأن العلاج رحلة فردية ولا شأن للنظام الصحي بها. وهنا تتحول الصحة إلى عبء شخصي ، ولا يمكن تجاهل علل التعليم الطبي والتدريب السريري والكفاءات. تعليم بلا بنية تعليمية حقيقية، وتدريب بلا مستشفيات جامعية مؤهلة، وشهادات بلا كفاءة راسخة، وفجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وحين يُصاب التعليم الطبي بالعلة تنتقل العدوى إلى كل النظام الصحي، لأن الكفاءة لا تُستورد جاهزة بل تُبنى زمنًا وانضباطًا ومعايير ، وتتسع دائرة العِلل لتشمل الغذاء والبيئة. غذاء ملوث ومصنع وغير صحي، وزراعة بلا ضوابط، ومياه غير مأمونة، وبيئة تُنتج المرض قبل أن يراه الطبيب. هنا لا يكون السكري أو السرطان أو أمراض القلب مفاجأة بل نتيجة منطقية. الجسد يمرض لأن البيئة مريضة والغذاء مريض والوعي مريض. ثم نصل إلى علل الإدارة والحكمة والحوكمة والشفافية . وقرارات بلا بيانات وسياسات بلا تقييم وإنفاق بلا أثر صحي واضح . وعلل المحاصصة والواسطة والجهوية التي تُقدم الانتماء على الكفاءة ، والولاء على الخبرة. وعلل غياب سلطة الصحة والدولة، واحتكار القرار والدواء والعلاج والحماية من قبل قوى لا تخضع للمساءلة. هنا لا تكون الأزمة تقنية بل أزمة عدالة. وحين تغيب العدالة تسود الفوضى وحين تسود الفوضى تصبح العلة هي القاعدة ويصبح التعايش معها نوعًا من الاستسلام الجماعي. في هذا الواقع لا تعود العافية مجرد شفاء مريض بل تصبح حلمًا مؤجلاً. والعافية ليست غياب المرض بل حضور النظام. وليست وصفة دواء بل منظومة قيم وسياسات وقرارات وحماية وعدالة. والعافية لا تتحقق بعلاج علة واحدة، لأنها واحدة في جوهرها ولا تُنال إلا بالتعافي من مجموع العلل الصحية وغير الصحية والظاهرة والمستترة . ليبيا لا تحتاج مسكنات بل تشخيص صريح وشجاعة في الاعتراف ، وإرادة في التفكيك وإعادة البناء. لأن الجسد الذي نريد له أن يتعافى، يعيش داخل دولة وإذا كانت الدولة مريضة فلن يشفى الجسد مهما تبدلت الأدوية. والعِلّة واحدة وإن تعددت وجوهها والعافية واحدة لا تتجزأ. ومن لا يعالج العلة سيظل يطارد المرض إلى ما لا نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى