كتاب الرائ

الصحة المكانية والعدالة الصحية

د.علي المبروك أبوقرين

في ليبيا لا يمكن فصل سؤال الصحة عن سؤال المكان ، ولا يمكن الحديث عن العدالة الصحية دون مواجهة الجغرافيا بصراحة . فبلد شاسع المساحة وقليل الكثافة السكانية وغني بالموارد لكنه شديد التفاوت في توزيع الخدمات ، يقدم نموذج واضح لما يعنيه أن تكون الصحة قضية مكان قبل أن تكون قضية علاج ، ليبيا ليست دولة فقيرة وليست عاجزة عن بناء نظام صحي عادل ، لكنها عانت طويلا من مركزية خانقة وتخطيط صحي غير متوازن ، حول الجغرافيا من فرصة إلى عبء ومن عامل قوة إلى مصدر تهميش صحي واجتماعي ، تتركز الخدمات الصحية المتقدمة في مدن محدودة بينما تعيش مناطق واسعة من الجنوب والواحات والمناطق الريفية على هامش التغطية الصحية الفعلية .  ويصبح الوصول إلى الطبيب رحلة ، والوصول إلى المستشفى مخاطرة ، والوصول إلى العلاج المتخصص معاناة إنسانية واقتصادية ، وهنا لا يكون المرض وحده المشكلة بل المكان الذي يعيش فيه المريض . هذا التفاوت المكاني لا ينتج فقط تفاوت صحي بل يعيد إنتاج الهجرة الداخلية والفقر وضعف الثقة في الدولة واللجوء إلى حلول فردية أو خارجية مكلفة ، إن الصحة المكانية في ليبيا ليست ترف فكري بل ضرورة وطنية ملحة . وهي تعني إعادة تصميم النظام الصحي وفق التوزيع السكاني الحقيقي والخصائص الوبائية لكل إقليم والمسافات وطرق المواصلات والقدرة على الوصول وليس مجرد وجود المنشأة ، ليبيا تحتاج إلى شبكات رعاية صحية أولية قوية موزعة بعدل ، ومستشفيات إقليمية حقيقية ، ومنظومة إحالة فعالة تربط الأطراف بالمراكز وتوزيع عادل للقوى العاملة الصحية ، إن التغطية الصحية الشاملة في ليبيا لا تُقاس بعدد المستشفيات التي بُنيت ، بل بعدد المواطنين الذين يصلون فعليا إلى الخدمة الجيدة ، وفي الوقت المناسب دون إذلال أو استنزاف . والعدالة الصحية هنا تعني ألا يضطر مريض في سبها أو غات أو الكفرة إلى السفر مئات الكيلومترات وألا يكون مكان الإقامة عامل حاسم في فرص النجاة ، وألا تتحول الجغرافيا إلى حكم مسبق على صحة الإنسان ، وبفضل مساحتها الواسعة وكثافتها السكانية المحدودة نسبيا تمتلك ليبيا فرصة فريدة لتوظيف خدمات التطبيب عن بعد والسجلات الصحية الرقمية والذكاء الاصطناعي في التصنيف والتشخيص الأولي ، والتحليل الجغرافي للبيانات الصحية ، ليس كبديل عن الخدمات بل كجسر يربط الأطراف بالمراكز ويعزز الرعاية الأولية ويقلل الإحالات غير الضرورية ويعيد التوازن المكاني للنظام الصحي . ولكن نجاح ذلك مشروط بسياسات عادلة تمنع تحول التقنية إلى امتياز جديد محصور في المدن الكبرى ، وفي ليبيا تتداخل التحديات الصحية مع البطالة وضعف التعليم وتدهور البيئة والهشاشة الاجتماعية ، ولا يمكن فصل الصحة عن التنمية الاجتماعية ، فكل استثمار في الرعاية الصحية الأولية والوقاية والتوعية الصحية وتحسين البيئات المعيشية ، هو استثمار في الاستقرار ، وفي إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ، وفي تحويل الثروة إلى رفاه حقيقي . الصحة المكانية كخيار تنموي في ليبيا تتطلب إرادة سياسية واضحة وقاعدة بيانات صحية وجغرافية دقيقة ، وتكامل بين قطاعات الصحة والتخطيط والحكم المحلي ومشاركة مجتمعية حقيقية ، فالصحة لا تُفرض من المركز فقط بل تُصمم مع الناس في أماكنهم ووفق واقعهم . ليبيا لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات الصحية بل إلى إعادة توزيع العدالة على الخريطة ، فالمرض قد لا يكون قابلا دائما للمنع لكن التهميش الصحي قابل للإصلاح ، وفي الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين تملك ليبيا فرصة حقيقية لأن تجعل من الصحة المكانية مدخل لإعادة بناء الدولة وترجمة الثروة إلى كرامة ، والجغرافيا من عبء إلى حاضنة تنموية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى