كتاب الرائ

الحلم في مواجهة الواقع  1-2

محمد ابوالقاسم الككلي

الحلم في مواجهة الواقع  1-2

محمد ابوالقاسم الككلي

الحلم حتى وإن أتخذ شكل مأساة يمتلك القدرة على مواجهة الواقع فهو كما يقول الروائي حنا مينه ( عزاء النفس! وعلى هذه الشاكلة! رهيب، أليس كذلك؟ ولكن ان نتعزى أفضل من أن نيأس، العزاء في هذا الحال، امل خيالي، عدم رضوخ لبؤس الواقع، وطموح إلى بديله، وهو، في ايجابيته، نوع من الحلم الذي يجانب الواقع ولكنه يعلو عليه (

وينقل عن لينين قوله ( ينبغي أن نحلم، وعدم التوافق بين الحلم والواقع ليس من السذاجة في شيء، إذا كان من يحلم يؤمن بحلمه، ويلاحظ الحياة، ويعمل على تحقيق ما يحلم به )
تجربة الحلم المأساة مر بها كثير من الأدباء والمفكرين نذكر منهم الشاعر التركي ناظم حكمت في علاقته بزوجته منور حيث يقول حنا مينه في كتابه ( ناظم حكمت – السجن – المرأة – الحياة ) : ( لقد صرخ، كما وعد، في سماء الحرية الزرقاء، بكل ما كتبه لأجلها، وبكل ما كتبته لأجله، أو ما تخيل انها، لو استطاعت، لكتبته إليه ‘ذلك أن ناظم، في مقابل قصائده ورسائله إلى منور، كان يضع قصائد ورسائل منها إلى ناظم، ويعيش هو وحده، عزاء هذه الخدعة، لكي تبقى اللعبة، في وهم الرجاء، رجاء دائما )

ناظم حكمت كان يدرك أن الكتابة، إذا لم تكن متقابلة، سقطت في الأحادية وماتت، فإن نعشق،نحاور، نراسل لمرة واحدة، لثلاث، لخمس، ومن طرف واحد، تبدو العملية، حتى في خداع النفس، وحتى في مناجاة الطيف، محتملة ‘وبعد ذلك، وان لم نكن مرضى، نحتاج إلى المقابل، في الحلم أو الواقع، أو خداع النفس الذي،في التفكير الرغبي، ينقلب إلى أمنية مغذية للمشاعر ‘
في هذه الحالة لابد للإنسان، من مقابل، لابد له أن ينقذ اللعبة وان يبعث فيها قدرة على التجدد، والاستمرار ،بإخراجها من الأحادية إلى الثنائية، بأن يناجي الطيف، ويجعل الطيف يناجيه ‘
يقول حنا مينه : أية مأساة صامتة، مستترة، تمثل إذن في عالم فرض عليه أن يخترع لنفسه، من شقاء حرمانه، مادة معوضة، يعرف أنها خيالية، ويعاملها على أساس من ذلك، ولكنه، في التصعيد أو التعويض، يمارس الوهم على أنه حقيقة، لكي يتعزى، ويتقوى، ويقاوم البؤس والظلم في اصطناع حالة من الانتصار عليهما، حالة خيالية مؤلمة، ولكن مسعفة في مواجهة الواقع البائس حتى يصبح واقعا سعيدا ‘

كانت منور مصدر حلم والهام لمعظم كتابات زوجها ناظم حكمت حتى وإن كان في شكل مأساة، فهو لم يلتقيها إلا في عام 1961 م بالاتحاد السوفييتي الذي لجأ إليه بعد إطلاق سراحه منذ أن دخلت السجن الأخضر وناظم السجن الأسود عام 1938 م ‘

يقول ناظم حكمت في قصيدة له :

من يدري! فقد كان من الممكن

إلا نحب بعضنا البعض إلى هذا الحد

لو لم تكن روحانا تريان بعضهما البعض من كل هذا البعد

ومن يدري! فلربما لم نكن قريبين إلى هذا الحد

لو لم يفرق شملنا الزمان

لنترك ناظم حكمت وزوجته منور لأن الحديث عنهما يطول فقد وضعت مئات الكتب عن هذه العلاقة ‘
في رواية ( الشراع والعاصفة ) للروائي حنا مينه تشكل ماريا، توق الطروسي إلى الغائب، بينما تشكل ( ام حسن ) – قبل أن تصبح زوجته الشرعية – توقه في الموجود، ويظل طيلة مكوثه في البر، ،متوتر عاطفيا بين التوقين، إلى أن ينتهي بالزواج من أم حسن، مع الإصرار – غير المقصود وغير المعلوم – على ديمومة التوق الآخر ،بعدم السعى الجاد إلى لقاء حبيبته، ،أن ماريا هي الحلم الباقي بينما أم حسن، بالزواج، الحلم الملغى .

لكن السؤال لماذا تحولت ام حسن إلى حلم ملغى؟ لأنه لم يبقى منها بالنسبة للطروسي ماهو غائب أو مجهول أو ممتنع، لقد أصبح في دائرتها، بطل تحديها له وتاثيرها عليه، لقد أصبحت في دائرة العطر الذى تعطر به فلم يعد يشمه’

أن ما يجمع الرجل والمرأة في حالة ( الحب الملغى ) هذه هو الحب الذي قد يولد أو يموت ‘


نواصل لاحقا

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى