في ظل ما يشهده النظام الصحي في ليبيا من اختلالات بنيوية عميقة، لم تعد الأزمة مجرد قصور في الخدمات أو نقص في الموارد، بل تحولت إلى حالة مركبة من التدهور تمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة وتضع الصحة بوصفها حقًا أصيلًا في دائرة الخطر، حيث تتقاطع معاناة المرضى مع ضعف البنية التحتية، وتراجع الكفاءة المهنية، وغياب الحوكمة الفاعلة، مما أدى إلى تفاقم الأعباء الصحية والاجتماعية والاقتصادية على الأفراد والأسر والمجتمع والدولة. وأمام هذا الواقع فإن أي محاولة للإصلاح الشامل الفوري تصطدم بتعقيدات متراكمة يصعب تفكيكها دفعة واحدة، مما يستدعي تبني مقاربة انتقالية ذكية وقادرة على تحقيق نتائج ملموسة في المدى القريب، دون أن تنفصل عن الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. ومن هنا تنبثق فكرة إنشاء وتشغيل أربع مستشفيات كبرى بسعة إجمالية تبلغ ألفي سرير، تُدار وفق نموذج متقدم ومغاير، لتكون بمثابة منصات إنقاذ صحي تعمل بكفاءة عالية، وتستوعب الحالات الحرجة والمعقدة، وتعيد الثقة في الخدمة الصحية، وتُخفف الضغط عن بقية مكونات النظام الصحي. ولا تقوم هذه المستشفيات على منطق التوسع الكمي التقليدي إنما على فلسفة العمران الصحي التي تجعل من الجودة والكفاءة والعدالة والحوكمة الصارمة مرتكزًا لكل قرار، بحيث تُبنى هذه المؤسسات وفق أعلى المعايير العالمية في التصميم والتجهيز والتشغيل، ويُعاد فيها تعريف المستشفى لا بوصفه مكانًا للعلاج فقط، بل منظومة متكاملة لإنتاج الصحة وإدارتها. وفي هذا الإطار لا تُترك البنية التشغيلية للاجتهاد ولكن تُضبط بمعايير دقيقة مستمدة من أفضل النماذج العالمية للمستشفيات عالية التخصص، حيث يُشكل توزيع الأسرة قاعدة التوازن بين الكفاءة والقدرة الاستيعابية، بحيث تُخصّص ما نسبته 15% إلى 20% من إجمالي الأسرة للعناية المركزة، و10% إلى 15% للعناية المتوسطة، و45% إلى 50% للأقسام التخصصية الحادة، و20% إلى 25% للأقسام العامة والتأهيل، بما يضمن جاهزية التعامل مع الحالات الحرجة دون الإخلال باستمرارية الخدمة لبقية المرضى. ويمتد هذا الانضباط إلى هيكلة القوى العاملة، حيث تُبنى المنظومة على كثافة مهنية عالية تعكس طبيعة التعقيد الطبي، فيكون لكل سرير ما بين 7 إلى 10 من الكوادر الصحية والتشغيلية، يتوزعون وفق توازن مدروس، بحيث تمثل الكوادر الطبية ما نسبته 20% إلى 25%، والتمريض 45% إلى 55%، والفنيون 15% إلى 20%، والإداريون والتشغيليون 10% إلى 15%، مع اعتماد نسب تخصصية دقيقة تضمن الجودة، فيكون لكل سرير ما بين 0.45 إلى 0.6 استشاري، و0.8 إلى 1 أخصائي، و1.5 إلى 2 من الأطباء المقيمين، بينما تصل كثافة التمريض إلى 3.5 إلى 4.5 ممرض لكل سرير، وترتفع في وحدات العناية المركزة إلى ممرض لكل مريض أو ممرض لكل مريضين كحد أقصى، بما يعكس أولوية السلامة وجودة الرعاية. أما البنية الجراحية والتشغيلية، فتُبنى على نسب مدروسة تضمن الكفاءة العالية، بحيث تُخصص غرفة عمليات لكل 20 إلى 25 سرير، مع تجهيز نسبة معتبرة منها كوحدات جراحية هجينة وتداخلية وروبوتية، قادرة على التعامل مع أدق الحالات وأكثرها تعقيدًا، في حين تُجهّز وحدات العناية المركزة لتستوعب ما بين 15% إلى 20% من إجمالي الأسرة، موزعة بين عنايات قلبية وعصبية وعامة وزراعة أعضاء، وفق توزيع يعكس أنماط العبء المرضي. وتُقدم داخل كل مستشفى حزمة متكاملة من الخدمات الطبية المتقدمة، تشمل أمراض وجراحة الأورام، وأمراض وجراحة القلب، وأمراض وجراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، إضافة إلى برامج زراعة الأعضاء، وخدمات الطوارئ والعناية المركزة، والتشخيص الدقيق، بما يضمن قدرة كل مستشفى على العمل كوحدة مستقلة مكتفية وظيفيًا، وقادرة على التعامل مع مختلف الحالات المرضية على اختلاف أعمارها وتعقيداتها. ويُعاد تشكيل القوى العاملة الصحية داخل هذه المستشفيات وفق معايير صارمة تقوم على استقطاب كفاءات دولية عالية التأهيل والخبرة، إلى جانب بناء فرق تمريضية وتخصصية ذات مهارات متقدمة، تعمل ضمن بيئة مهنية منضبطة، تُحدد فيها المسؤوليات بوضوح، وتُربط فيها الصلاحيات بالأداء، وتُعتمد فيها أفضل الممارسات العالمية في التدريب المستمر ونقل المعرفة، مع تفعيل برامج الاستشاريين الزوار من كبار الخبراء الدوليين، بما يضمن تحديث المعرفة وتعزيز الجودة بشكل دائم. أما على مستوى البنية التحتية والتجهيزات، فتُصمم هذه المستشفيات وفق مواصفات صارمة تراعي أعلى معايير السلامة والكفاءة والاستدامة، من حيث جودة البناء وأنظمة التهوية وإدارة العدوى وسلامة المرضى وكفاءة الطاقة، مع تجهيزها بأحدث التقنيات التشخيصية والعلاجية، بما في ذلك أنظمة الأشعة المتقدمة، والمختبرات الجزيئية، والتقنيات التداخلية، والجراحة الروبوتية، والتطبيب عن بعد، والأنظمة الرقمية المتكاملة التي تضمن تدفق المعلومات بدقة وسرعة. وتُدار هذه المنظومة وفق نموذج حوكمة مستقل وشفاف، يقوم على الفصل بين الإدارة التشغيلية والرقابة، واعتماد مؤشرات أداء دقيقة، وتفعيل نظم المراجعة والتدقيق، وربط التمويل بالنتائج، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد، ويحد من الهدر والفساد، ويُرسخ ثقافة المسؤولية والمساءلة. ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على كونه حلًا مرحليًا إنما يتجاوز ذلك ليكون نواة لإعادة بناء النظام الصحي على أسس جديدة، حيث يمكن التوسع فيه تدريجيًا ليشمل مناطق أخرى، أو تحويله إلى شبكة وطنية متكاملة من المستشفيات عالية الكفاءة، تُشكل العمود الفقري لنظام صحي حديث، قائم على العدالة والجودة والاستدامة. إن هذا التصور لا يُمثل رفاهية تخطيطية، بل ضرورة وطنية ملحة، تفرضها مسؤولية حماية حياة الناس وكرامتهم، وتستدعي إرادة سياسية وإدارية حقيقية، تُدرك أن الصحة ليست بندًا في الموازنة إنما هي أساس الاستقرار وشرط التنمية وجوهر بناء الدولة.
د.علي المبروك أبوقرين
حين نُحاول أن نُحصي الأمراض المعدية، فإننا لا نُعدّد أسماءً بقدر ما نقرأ تاريخًا حيًا…
إلى كل فردا فينا وإلى كل مسؤول وصانع قرار في بلادنا، إن كبارنا ليسوا مرحلة…
إن جودة الخدمات الصحية ليست شعارًا يُرفع ولا لافتة تُعلّق ولا إدارة تُستحدث في هيكل…
ليس المريض الضحية ذلك الذي أصابه المرض فحسب، إنما هو الذي سقط بين شقوق نظام…
يدعو مجلس إدارة الشركة الجمعية العمومية لشركة السواقي الزراعية المساهمة للاجتماع العادي الأول للسنة الجارية…
في ليبيا حيث تمتد الجغرافيا على اتساع شاسع وتتوزع التجمعات السكانية بين مدن مكتظة وأخرى…