إن جودة الخدمات الصحية ليست شعارًا يُرفع ولا لافتة تُعلّق ولا إدارة تُستحدث في هيكل بيروقراطي، إنها منظومة فكر ومنهج علم وانضباط ممارسة، وضمير مؤسسي حيّ. هي علم قائم بذاته له فلسفته وأدواته ومقاييسه ورجاله ومسؤولياته الثقيلة التي تتصل اتصالًا مباشرًا بحياة الناس وكرامتهم وأمانهم. حين نتحدث عن الجودة فنحن لا نتحدث عن تحسين تجميلي إنما عن إعادة تعريف الطب ذاته وكيف يُمارس وكيف يُقاس وكيف يُحاسب. إنها الانتقال من طب النوايا إلى طب النتائج، ومن الاجتهاد الفردي إلى المنهج المؤسسي، ومن الفوضى المغلفة بالخبرة إلى الدقة المحكومة بالمعايير. لقد أسس استاذي دونابيديان القاعدة الذهبية حين ربط الجودة بثلاثية لا تنفصل البنية والعمليات والنتائج. لكن هذه الثلاثية ليست مجرد إطار نظري، بل نظام حياة داخل المؤسسات الصحية، نظام يبدأ من تصميم المكان، ويمر عبر كفاءة الإنسان، وينتهي عند مصير المريض. المعايير الصحية ليست نصوصًا جامدة إنها كائنات حية تتطور وتُوزن وتُرتب وتُختبر باستمرار. ولكل معيار قوة ولكل مؤشر دلالة، ولكل قياس أثر، وهي لا تتساوى في القيمة إنها تُبنى وفق سلم دقيق يراعي الخطورة والتكرار والتأثير والنتائج. معيار في مكافحة العدوى قد ينقذ مئات الأرواح، ومؤشر في سلامة الدواء قد يمنع كارثة صامتة، وإجراء في التحقق من هوية المريض قد يفصل بين الحياة والموت. الجودة منظومة بشرية بامتياز، لا تقوم إلا بكوادر مؤهلة تأهيلاً صارمًا وخبراء يضعون المعايير، ومراجعون يدققون في تطبيقها، ومدققون داخليون وخارجيون يختبرون مصداقيتها، ومختصون يحدّثونها وفق الأدلة العلمية المتجددة. وفي عمق هذه المنظومة تتقاطع الجودة مع علوم لا تقل أهمية ومنها مكافحة العدوى وسلامة المرضى وإدارة المخاطر، والتخلص الآمن من النفايات الطبية، وإدارة السجلات الصحية، وتحليل المضاعفات والوفيات، وقياس معدلات الإدخال وإعادة الإدخال، والإحصاء الصحي. وكل لجنة وكل نموذج وكل تقرير هو جزء من شبكة أمان معقدة، إن اختل أحد خيوطها انهار المعنى كله. أما الهياكل التنظيمية للجودة فهي ليست مجرد إدارات إنها نظم حوكمة كاملة بتوصيف وظيفي دقيق، وتسلسل مسؤوليات واضح، وقنوات تقارير محكمة، وآليات مساءلة لا تقبل التراخي. وداخل المؤسسة الصحية هناك من يُطبق ومن يُراقب ومن يُقيم ومن يُحسن. وخارجها تقف جهات الاعتماد محلية كانت أو دولية بأنظمتها ولوائحها، لا لتمنح شهادة بل لتفرض ثقافة وتؤسس لثقة. إن الاعتماد ليس هدفًا بل نتيجة، وليس ورقة تُعلق على الجدار إنما التزام يومي يُمارس في كل سرير وكل غرفة عمليات، وكل تفاعل مع مريض. وهنا تتجلى الحقيقة التي لا تحتمل المساومة ومؤسسات الجودة لا تُدار بالمحاصصة ولا تُبنى على المحسوبية إنما تُدار بالتخصص والخبرة والمهارة والتأهيل. فالجودة علم صارم لا يعترف إلا بالكفاءة، وكل انحراف عن هذا المبدأ هو انحراف عن جوهرها. حين تُسند مسؤوليات الجودة لغير المؤهلين، لا نكون بصدد خلل إداري فحسب، بل بصدد إعادة إنتاج القصور في صورة نظام. وتتحول المعايير إلى نصوص بلا روح، والتدقيق إلى إجراء بلا أثر، والتقارير إلى حبر لا يغير واقعًا وعندها لا تعود المشكلة في غياب الجودة إنما في ادعائها. فالمخرجات ليست إلا انعكاسًا صادقًا للمدخلات، ومستوى الأداء لا يمكن أن يتجاوز مستوى من يديرونه. ومن ينتظر جودة من منظومة لم تُبنى على أهلها، كمن ينتظر الدقة من ميزان مختل، قد يُظهر أرقامًا لكنه لا يُنتج حقيقة. إن بناء منظومة جودة حقيقية يتطلب شجاعة معرفية قبل أي شيء ، والاعتراف بأن هذا المجال تخصص دقيق لا يُدار بالخبرة العامة، ولا يُختصر في دورات عابرة. ويتطلب استثمارًا في الإنسان قبل البنية وفي العلم قبل الشكل وفي النظام قبل القرار. وفي السياق الليبي تبقى الفجوة أعمق من نقص الموارد إنها فجوة في الفهم والمنهج. وما يُمارس بعيد في كثير من جوانبه عن جوهر الجودة، وقريب من حالة ارتباك تُهدد الثقة في النظام الصحي برمته. ولكن الحقيقة الأهم أن الجودة ليست حلمًا مستحيلاً بل طريق واضح لمن التزم به كما ينبغي. طريق يتطلب انضباطًا لا مساومة فيه، وكوادر مؤهلة تؤمن بأن صحة الإنسان ليست مجالًا للتجريب ولا ساحة للارتجال. واليوم نحن لسنا في حاجة للنصوص فقط بل للأنظمة التي تُطبق وللمؤسسات التي تُحاسب نفسها قبل أن تُحاسب، وللثقافة التي تجعل من الجودة سلوكا يوميًا وليس حدثًا موسميًا. فالجودة في جوهرها ليست ما نكتبه إنما ما نفعله حين لا يرانا أحد..

د.علي المبروك أبوقرين

منشور له صلة

المريض الضحية

ليس المريض الضحية ذلك الذي أصابه المرض فحسب، إنما هو الذي سقط بين شقوق نظام…

8 ساعات منذ

إعلان: دعوة الجمعية العمومية لشركة السواقي الزراعية المساهمة للاجتماع العادي الأول

يدعو مجلس إدارة الشركة الجمعية العمومية لشركة السواقي الزراعية المساهمة للاجتماع العادي الأول للسنة الجارية…

4 أيام منذ

اتساع الجغرافيا وضيق النظام الصحي

في ليبيا حيث تمتد الجغرافيا على اتساع شاسع وتتوزع التجمعات السكانية بين مدن مكتظة وأخرى…

أسبوع واحد منذ

التقاعد والحقوق والصحة والكرامة

د.علي المبروك أبوقرين كبارنا ليسوا مجرد فئة عمرية تتقدم في الزمن، هم ذاكرة الوطن الحية…

أسبوع واحد منذ

الجمعية العمومية للنادي الليبي للسيارات تعقد إجتماعها العادي الأول لسنة 2026م وتنتخب أعضاء جدد

طرابلس في 20 أبريل 2026م إنعقد الإجتماع العادي الأول للجمعية العمومية لسنة 2026م، وذلك بقاعة…

أسبوعين منذ

الصحة حق

الصحة حق ليست عبارة تُقال ولا شعارًا يُرفع في المناسبات هي أصل تقوم عليه الدولة…

أسبوعين منذ