في كل منظومة صحية ، يقاس مستوى التقدم بمدى الأمان الدوائي فيها ، لا بعدد المستشفيات أو حجم الإنفاق على العلاج ، فالدواء رمز الشفاء وأداة الحياة ، قد يتحول في غياب الضوابط إلى مصدر خطر يهدد المرضى والأنظمة والمجتمعات ، ورغم التقدم الهائل في علوم الطب والصيدلة ، لا تزال أخطاء الأدوية من أكثر الأسباب الخفية للضرر الطبي في العالم ، والإحصاءات المعلنة تمثل جزءًا ضئيلاً من الحقيقة ، إذ تشير الدراسات إلى أن ملايين المرضى يعانون سنويا من أضرار ناجمة عن وصف أو صرف أو إعطاء دواء بجرعة أو تركيبة أو توقيت خاطئ ، وفي الولايات المتحدة وحدها ، تتلقى إدارة الغذاء والدواء مئات الألاف من البلاغات سنويا عن أخطاء دوائية ، والأبحاث تؤكد أن ما يُبلغ عنه لا يتجاوز 2٪ من الحوادث الفعلية ، وهذا النمط من القصور في الإبلاغ يتكرر في معظم دول العالم ، بسبب الخوف من العقوبة ، وضعف ثقافة الإبلاغ ، وغياب الأنظمة الإلكترونية الموحدة لرصد الأخطاء وتحليلها ، وتحدث الأخطاء عبر سلسلة طويلة من المراحل منها الوصف الطبي والتوزيع والتحضير والإعطاء ، وقد تكون نتيجة سوء التواصل بين الطبيب والصيدلي والممرض ، أو نقص في التدريب ، أو ضغط العمل ، أو تشابه أسماء الأدوية ، وفي نهاية المطاف ، يبقى المريض هو الخاسر الأول ، والنظام الصحي هو المتضرر الأكبر من تراكم هذه الأخطاء ، غير أن الصورة في بعض البلدان ومنها ليبيا تتجاوز حدود الخطأ لتصل إلى الفوضى الدوائية الكاملة ، فالأزمة لم تعد مقتصرة على الممارسات الخاطئة داخل المستشفيات ، بل امتدت إلى سوق الدواء ذاته ، الذي تحول إلى مساحة مفتوحة للفوضى والتهريب والتزوير والغش التجاري ، وليبيا اليوم تغرق بالأدوية المجهولة المصدر ، وتُنقل وتُخزن دون التزام بمعايير السلامة ، وتُباع في صيدليات ومصحات لا أحد يراقب سلاسل إمدادها ولا يعرف كيف وصلت إليها ، واختلطت الأسماء والعلامات التجارية ، وضاعت هوية الدواء بين وكيل لا يُعرف وموزع غير مرخص ، ووسطاءَ وتجار حولوا الدواء إلى سلعة تخضع للمضاربة ، إنها ليست فقط أخطاء دوائية بل جرائم دوائية تُرتكب في وضح النهار ، للأسف دواء يُعطى بغير علم ، أو يُباع بلا فحص ، أو يُخزن في ظروف ملوثة وغير صحية ، أو يُهرب ، أو بتزوير الصلاحية أو إعادة التعبئة والتغليف ، كلها وجوه مختلفة لنزيف واحد يصيب جسد الدولة وصحة الناس واقتصادها معا ، إن مواجهة هذا الواقع تتطلب إرادة وطنية حقيقية لإعادة بناء منظومة الإمداد الدوائي وفق قواعد علمية وأخلاقية صارمة ، ولا سبيل لذلك إلا من خلال سلسلة إمداد وطنية مغلقة تحت احتكار الدولة الكامل ، تُدار بمنظومات رقمية دقيقة ، ويُمنع فيها تضارب المصالح على أوسع مدى ، من أدنى موظف إلى أعلى مسؤول ، حتى درجة القرابة والمصاهرة والمصلحة التجارية ، إن الدواء ليس مجالاً للوساطة ولا للمنافع ولا للمجاملات ، بل قضية أمن قومي وصحي يجب أن تُدار بعقل الدولة لا بطموحات الأفراد ، وينبغي أن تُجرم القوانين كل من يشارك في تهريب أو ترويج أو تسهيل دخول الأدوية المغشوشة أو غير المسجلة أو التلاعب في الصلاحية ، باعتبارها جريمة ضد الحياة لا تقل خطورة عن الإرهاب أو القتل العمد ، كما يجب إنشاء هيئة وطنية مستقلة للأمن الدوائي وسلامة الأدوية ، تمتلك الصلاحيات والموارد والسلطة القانونية لمراقبة كل مراحل الدواء من المصنع إلى المريض ، وتطبيق نظام تتبع إلكتروني لكل عبوة دوائية ، وتفعيل الرقابة الصيدلانية الميدانية بلا استثناء أو محاباة ، وفي هذا الإطار ، تمثل مبادرة منظمة الصحة العالمية الأدوية دون ضرر منارة عالمية ، لكن نجاحها محليا مرهون بقدرتنا على ترجمتها إلى منظومة مؤسسية تحمي المواطن قبل السوق ، والإنسان قبل الربح ، وإن ما يحدث في ليبيا اليوم ليس مجرد خلل إداري أو تقصير رقابي ، بل كارثة أخلاقية وإنسانية واقتصادية تهدد حاضر الوطن ومستقبله ، إنها حرب صامتة بلا رصاص وقاتلة مثله وأشد ، يموت فيها الناس ببطء تحت غطاء الدواء ، وكل دواء مزور هو رصاصة مغلفة بالسكوت ، وكل من يسكت عن فوضى الدواء ، يشارك في جريمة قتل مؤجلة ، ولذلك فإن إصلاح النظام الصحي يبدأ من نظافة الدواء وتأمينه ، ومن نقاء الضمير قبل نصوص القانون ، فالدولة التي لا تملك دواءً آمنا لشعبها ، لا تملك أمنا حقيقيا على الإطلاق ..
ليس الدواء ما يُباع في الأسواق ، بل ما تصونه الدولة بضميرها وتحميه بقانونها
د.علي المبروك أبوقرين
د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…
تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…
للكاتب السنغالي مامادوموث بان لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…
د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…
تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…
شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…