في زمنٍ تزدحم فيه التحديات وتتكاثر فيه الأزمات ، لم يعد النظام الصحي ترفا مؤسسيا ولا مرفقا خدميا محدودا ، بل أصبح مرآة صادقة لوعي المجتمع ودرجة تحضره ، وميزانا دقيقا يقيس به العالم نبض الدول وقوة مؤسساتها ومدى إنسانيتها ، فالصحة ليست مجرد غياب للمرض ، بل حضور للحياة بكامل طاقتها ، وعدل في توزيع الأمل كما هو في توزيع الدواء ، تبدأ الحكاية من السؤال الأبسط والأعمق لماذا تنهار النظم الصحية في وجه الأوبئة ، وتتعثر أمام الكوارث ، وتُشل أمام الصدمات؟ ولماذا يُترك المريض وحيدا في مواجهة الألم ، والطبيب بلا تدريب ، والمرفق بلا تجهيز ، والنظام بلا روح؟ الجواب يتجاوز قلة الموارد أو ضعف الإمكانات ، إلى غياب الفكرة الجامعة والرؤية المتكاملة والإرادة التي تجعل من النظام الصحي كيانا واحدا نابضا بالوعي والتكامل والعدل ، إن أعظم ما يُصيب النظم الصحية هو التشرذم والتجزئة ، وحين تنفصل الخدمة عن التعليم ، والتعليم عن التدريب ، والتدريب عن الإدارة ، والإدارة عن الأخلاق ، وعندما يُصبح الطب حرفة وليس رسالة ، والمستشفى مشروعا لا مؤسسة إنسانية ، والدواء سلعة لا أمانة ، يفقد النظام الصحي روحه ويغدو الجسد بلا قلب ، إن الفقر الصحي ليس ندرة الدواء ، بل ندرة الوعي ، والظلم الصحي ليس نقص الأسرة أو الأطباء ، بل غياب العدالة في الوصول إلى الخدمة ، والعدالة الصحية لا تعني المساواة العمياء ، بل الإنصاف الذي يمنح كل إنسان ما يستحقه وفق حاجته وقدرته وظروفه ، فالنظام الصحي العادل لا يقيس الناس بالأرقام بل بالأرواح ، ولا يوازن الميزانيات على حساب الألم الإنساني ، والنظام الصحي الموحد هو النواة التي تجمع التعليم الطبي ، والتدريب السريري ، والخدمات العلاجية ، والبحوث والتمويل والإدارة والجودة في منظومة واحدة متكاملة ، هو نظام يرى في كل عنصرٍ دوره ، وفي كل تفصيلةٍ قيمتها ، وفي كل إنسان محورا لا هامشا ، نظام يتنفس بالتكامل ، ويتغذى على الكفاءة ، ويعيش على المرونة ، ويستجيب بروح يقظة لأي تهديد أو وباءٍ أو كارثة أو حرب ، إن التهديدات التي تواجه النظم الصحية اليوم ليست فقط في الفيروسات والأمراض ، بل في الفساد والعبث وغياب الرؤية وانهيار التعليم الطبي وضعف التدريب السريري وتراجع البحث العلمي وغياب الجودة ، فالدواء المغشوش ليس أخطر من الفكر المغشوش ، والمبنى المتداعي ليس أضعف من النظام الصحي المتداعي ، والمريض الذي لا يجد علاجا ليس أشد ألما من المجتمع الذي يفقد ثقته في منظومته الصحية ، وحين نتحدث عن بلد صغير العدد ، وفير الثروة ، فإن المفارقة تزداد ألما وإلحاحا ، فالثروة بلا رؤية كالجسد بلا وعي ، لا تصنع نظاما صحيا بل تُنفق بلا أثر ، والعدد القليل ليس ضعفا بل فرصة لبناء نظامٍ متين قادر على توحيد الجهود وتوجيه الموارد وتحقيق الكفاءة القصوى في الإدارة والتدبير والعدالة ، إن قلة العدد يمكن أن تكون نعمة إذا وُظفت بعقل ، ويمكن أن تتحول إلى مأساة إذا أُهملت بلا رؤية ، إن النظام الصحي المتكامل ليس في كثرة المنشآت بل في تكامل الأدوار ، وليس في ارتفاع المباني بل في ارتفاع الوعي ، قوته في المرونة ، وعدله في الشمول ، وفعاليته في التخصص ، واستدامته في التخطيط ، واستجابته في جاهزيته ، هو الذي يستبق الأزمات ولا ينتظرها ، ويعالج المسببات قبل الأعراض ، ويرى في كل تهديدٍ فرصة للتعلم والإصلاح والتحسين ، إن النظام الصحي العادل الفعّال هو الذي يُسخر التمويل لخدمة الإنسان لا لاستنزافه ، ويواجه الأدوية المغشوشة بالتشريع والرقابة ، ويعيد للتعليم الطبي مكانته ، وللتدريب السريري هيبته ، وللبحث العلمي دوره ، وللجودة معناها الحقيقي( الإتقان ، والضمير ، والاستدامة ) ، وليس المطلوب نظاما يُنفق أكثر ، بل نظامٌ يُحسن الإنفاق ، وليس نظاما يُكثر من الشعارات ، بل يُكثف من النتائج ، فالنظام الصحي الذي لا يقاس بمدى جاهزية مستشفياته فحسب ، بل بمدى ثقافة شعبه الصحية ، وعدالة خدماته ، وثقة مواطنيه ، وقدرته على حماية الحياة في وجه الخطر ، وحين يبلغ الوعي الصحي هذه الدرجة من النضج ، يتحول الطب من مهنةٍ إلى رسالة ، والمستشفى من مبنى إلى كيان أخلاقي ، والنظام الصحي من هيكل إلى روح تُعطي الحياة معناها الأسمى ، فالصحة ليست فقط في الشفاء ، بل في الوقاية ، وفي التعليم ، وفي العدل ، وفي الكرامة ، والنظام الصحي ليس فقط من يُداوي ، بل من يُعلّم ، ويُرشد ، ويُقيم ، ويُصلح ، ويمنع الانهيار قبل أن يقع ، وفي نهاية المطاف ، يظل جوهر النظام الصحي الحق هو الإنسان غايته الإنسان ، ومبدؤه الإنسان ، ومرآته الإنسان ، فحين يزدهر الإنسان ، يزدهر النظام ، وحين يُكرم العقل ، تُكرم الصحة ، وحين تبنى الجودة في الضمير لا في التقارير ، يصبح الإتقان عبادة ، والعمل رسالة ، والحياة ذات جودة وكرامة ومعنى ، إن بناء نظام صحي قوي وفعّال وعادل ليس مشروعا هندسيا ولا إداريا ، بل مشروع وعي وإنسان وحضارة ، فالصحة ليست قطاعا من قطاعات الدولة ، بل هي قلبها النابض ، ونبض وعيها ، ومؤشر صدقها في خدمة الإنسان الذي هو غايتها الأولى وسبب وجودها ، وإن أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الأمم هو الاستثمار في الإنسان في جسده وعقله وضميره لأن صحة الإنسان هي التي تصنع ثروة الوطن ، وعدله هو الذي يصونها ، ووعيه هو الذي يحميها من الانهيار ، إن الصحة عدالة ، والعدالة حياة ، والنظام الصحي الذي لا يحقق العدالة لا يحقق الأمن ، والذي لا يرعى الكرامة لا يرعى الإنسان ، فالأمن الصحي هو الضمان الأول للاستقرار ، والكرامة الصحية هي الشرط الأول للسلام ، ليكن النظام الصحي بيتا للإنسان ، لا متاهة من الإدارات ، وليكن الطبيب معلّما لا موظفا ، والمريض إنسانا لا رقما ، والمستشفى رسالة لا مؤسسة تجارية ، ولتكن كل سياسة صحيةٍ ترجمة لضمير الأمة ، لا انعكاسا لمصالحها ، إننا حين نبني نظاما صحيا متكاملا ، فإننا لا نحمي الأجساد فحسب ، بل نحمي المعنى ، ونصون الأمل ، ونؤسس لعقد اجتماعي جديدٍ يجعل من الحق في الصحة حقا في الحياة ، ومن جودة الخدمات جودة للكرامة ، ومن الإتقان عبادة للعقل والروح ، فالصحة فكر قبل أن تكون دواء ، وعدل قبل أن تكون علاجا ، وثقافة قبل أن تكون نظاما ، وكل نظامٍ صحي لا يؤمن بالإنسان ، لا يشفى من علّته مهما بلغت تجهيزاته أو مؤسساته ، ولْتُكتب بضمير صادق هذه الحقيقة على جدار كل مستشفى ، وفي صدر كل وثيقة ، وعلى لسان كل مسؤول ،
د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…
تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…
للكاتب السنغالي مامادوموث بان لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…
د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…
تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…
شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…