كتاب الرائ

الفجوة الصحية بين الكم والكيف

د.علي المبروك أبوقرين

في عالم تتسارع فيه الخطى نحو التقدم والتقنية والعلم ، لا تزال الصحة هي المرآة الحقيقية التي تعكس مدى حضارة الأمم وعدالة نظمها وإنسانية سياساتها ، فالصحة ليست أرقاما على جداول ، ولا مؤشرات تُعرض في تقارير ، بل منظومة حية تنبض في قلب المجتمع ، يقوم عليها الإنسان من أجل الإنسان ، وتزدهر بالعلم والإدارة والكفاءة والضمير ، تتفاوت النظم الصحية في العالم تفاوتا بيّنا ، بين دول جعلت من الإنسان غايتها ، فشيدت له صروح الطب والعافية والتعليم والبحث ، وأخرى تركت شعوبها في دوامة الحاجة والمعاناة والفوضى والارتجال ، ففي الدول المتقدمة ، لكل ألف نسمة ما يكفيهم من أطباء ، ولكل طبيب فريق متكامل من أخصائيين وتمريض وفنيين ومهندسين ومساعدين ، ولهم بنى تحتية متوازنة تضمن العدالة في الوصول للخدمات من المستوصف إلى المستشفى الجامعي ، ومن الرعاية الأولية إلى العناية الفائقة ، أما في الدول التي لم تبلغ بعد نضج النظم الصحية ، فالفجوة صارخة بين الأعداد والحاجات ، وبين الطموح والإمكانات ، وهناك مناطق يندر فيها الطبيب ، وأخرى يغيب عنها المختبر ، ومستشفيات تعاني نقصا في الأسرة أو الأدوية أو الكفاءات ، ومع كل نقص عددي أو نوعي ، تنخفض مؤشرات العمر المتوقع ، وتزداد معدلات الوفيات ، ويتأثر الأطفال وكبار السن والفقراء على وجه الخصوص ، إن جوهر المسألة ليس فقط في عدد الأطباء أو حجم الأجهزة ، بل في نوع التعليم الطبي ، وعمق التدريب ، ومتانة الخبرة ، ونزاهة المهنة ، واستمرارية التطوير فكم من نظام صحي يمتلك المستشفيات والمباني ولا يمتلك العقول المؤهلة والضمائر الحية إن بناء النظام الصحي الحديث لا يتحقق إلا بربط الكم بالكيف ، والعدد بالمعرفة ، والآلة بالعقل ، والخدمة بالقيمة ، فالنسب الصحية المثلى ( من طبيب لكل ألف نسمة ، وممرض لكل طبيب ، وسرير لكل عدد محدد من السكان ) ليست مجرد معادلات إحصائية ، بل هي ترجمة لمستوى التخطيط العلمي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة. كما أن الصحة النفسية والعقلية والاجتماعية جزء لا يتجزأ من هذا الكيان ، تماما كما أن صحة البيئة والتغذية والتعليم الطبي المستمر عناصر مكملة له ، وحين تكون الصحة الواحدة هي الفلسفة التي تجمع الإنسان والطبيعة والحيوان في توازن بيئي ومعرفي وأخلاقي ، تصبح النظم الصحية شاملة ومستدامة ، تحقق الأمن الصحي والعدالة الاجتماعية ، وتمنح الشعوب فرصة العيش الكريم بجودة حياة عالية ما طال العمرٍ ، إن الطريق إلى نظام صحي قوي لا يُقاس فقط بالمباني والموازنات ، بل بالكفاءات والضمائر والسياسات الرشيدة ، فالأعداد وحدها لا تشفي ، إن لم تصحبها كفاءة ، والموارد لا تُثمر ، إن غابت عنها العدالة ، ولذلك فإن كل أمة تسعى إلى الازدهار يجب أن تستثمر في العلم والتعليم الطبي الراقي ، والتدريب العالي المستمر ، وتحفيز الكفاءات ، وضمان التوزيع العادل للخدمات ، فالصحة ليست ترفا ، بل أمن وطني وحق إنساني ، والدولة التي تهمل مؤشرات صحة شعبها ، إنما تضعف نفسها من الداخل ، وما من استثمار أعظم ولا مردود أنفع من الاستثمار في الإنسان الصحيح المتعلم الواعي ، فهو الثروة الحقيقية ، وهو الحصن المنيع ضد المرض والجهل والانهيار ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى