هناك لحظة خفية تبدأ فيها الحكاية ، لحظة لا يسمعها أحد ، حين تنبض خلية في رحم أم ، وتتشكل من حولها أسئلة الحياة كيف نحمي هذا القادم؟ وكيف نصنع له طريقاً نظيفاً من المرض والجهل والخوف؟ في تلك اللحظة بالذات تبدأ الصحة التعليمية ، لا في روضة ولا في مدرسة ، بل في رحم يتهيأ لاستقبال صوت جديد للعالم . فالصحة التعليمية ليست برنامجاً ، ولا عيادة مدرسية ، ولا تقارير تُحفظ في ملفات تُنسى، إنها فلسفة حياة ومسار طويل ، ممتد من مرحلة ما قبل الوعي وحتى اكتمال الوعي ، من جنين يرف كعصفور صغير إلى شاب يقف على عتبة الجامعة يحمل قدرته على العيش ، وعلى أن يحمي نفسه ومجتمعه ووطنه . هي سجلات صحية متكاملة لا تُكتب بالحبر ، بل تُرسم بصوت النبض ، وبأنفاس الرضع ، وبنمو العظام وعيون الأطفال وهم يتلمسون نور المعرفة ، سجلات تحفظ بيانات الأم وحملها وولادتها ورضيعها ، وما ورثه من جينات ، وما يحمله من احتمالات تتلازمه في رحلته التعليمية الطويلة دون انقطاع أو فقدان ، تتابعه في الطفولة الأولى ، وفي روضة الألعاب والألوان ، وفي المدرسة التي يُفترض أن تكون قلباً نابضاً لا مبنى باهتاً ، وفي مراهقته حين يشتد داخله الضجيج ، وفي شبابه حين يخرج لسماء أوسع . صحة تعليمية ترى الطفل ككون كامل ، لا جسداً بحاجة لعلاج فقط ، تفحص النظر لا لتصحيح البصر فحسب ، بل لتصحيح الرؤية ، وتفحص السمع ليس فقط لسماع الأصوات ، بل لسماع الحياة ، تراقب النمو والعظام والقامة والعمود الفقري ، التغذية والتحسس ، والاضطرابات الوراثية ، والمتلازمات النادرة ، والأمراض الصامتة ، تمسك بالإنذار قبل أن يبدأ الألم ، وتتجاوز ذلك فتطل على النفس المرتعشة ، وعلى طفل يتعرض لتنمر صامت ، وعلى خوف مختبئ خلف جدار العائلة ، وعلى قلق يتسرب بلا صوت ، وعلى طفل ينهض كل صباح بجسد صغير وروح مجهدة . هي صحة تعليمية تُعنى بالذكاء وبالقدرات الذهنية ، وبالخمول والكسل ، وبفرط الحركة ، وبالسلوك وبالعواصف التي لا يراها أحد ، تهيئ الدماغ ليكون قادراً على التفكير واتخاذ القرار وبناء مستقبل جديد ، غير أن الصحة التعليمية لا تقف عند حدود الاكتشاف ، بل تحمل في عمقها حماية من الأمراض قبل أن تولد ، واكتشافاً مبكراً قبل أن يتفاقم الخطر ، وعلاجاً عاجلاً ناجعاً متقدماً لا ينتظر الطوارئ ، ومتابعة لصيقة لا تسمح للطفل أن يسقط بين تفاصيل الحياة ، وهي لا تنجح إلا حين تتشكل شراكة فعلية وفاعلة بين الأسرة والخدمات الصحية والتعليمية ، شراكة تمتزج فيها المسؤوليات وتلتقي فيها الأدوار ، لتكون الأسرة عيناً ، والمدرسة يداً ، والخدمات الصحية سواعد علمية متقدمة تحمي وتنبه وتعالج ، وتمتد هذه الفلسفة لتتخطى الخدمات الصحية المباشرة نحو دمج العلوم والمعارف والثقافة الصحية في المناهج والمناشط والسياسات ، فيصبح التعليم نفسه وقاية وتحصيناً ووعياً، وتتحول الصحة إلى جزء طبيعي من كل درس ، وكل نشاط ، وكل قيمة تُمارس داخل المدرسة وخارجها. وعندها تتحول الرياض والمدارس والمعاهد والجامعات إلى بيئات صحية متكاملة تحافظ على كرامة المعلمين والدارسين والعاملين ، وبها فصول وقاعات مكيفة صيفا ودافئة شتاء ، صالحة للتعليم التفاعلي والالي والابداعي ، فيها مختبرات ومعامل لغات وقاعات موسيقى ومسارح ومراسم وحدائق خضراء وملاعب وأماكن للبحث والاكتشاف ، وقاعات للأكل الصحي تُعد وتُراقب بإشراف صحي كامل ، لا مقاصف أشبه بعربات الأكل السريع المخالف . مدارس يقوم عليها معلمون ومعلمات مهيأون علمياً وفلسفياً وتربوياً ونفسياً ليكونوا شركاء في النمو لا مجرد ملقنين ، مدارس تُصمم بمعايير عالمية تسمح بالتفكير والبحث والفضول والتفاعل ، وبالتجريب والتقنية والرقمنة والذكاء الاصطناعي كأدوات للفهم لا كبديل للإنسان ، مدارس تتسع للمستقبل قبل أن يأتي ، وتبقى البيانات الصحية من أول نفس إلى آخر امتحان وديعة مقدسة ، وثروة وطنية ، ملكاً فردياً لا يُمس ولا يُساء استخدامه ولا يُتاجر به ولا يُخترق ، فهي ليست أرقاماً ، بل حيوات مكتملة وأجيال تتنفس ومستقبل يُكتب . ولأن الشعوب لا تنهض إلا بأطفالها ، ولا تُشيد مستقبلها إلا بسلامة عقولها وأجسادها ، فإن الصحة التعليمية تصبح مشروعاً صحياً وتربوياً ووجودياً وتنموياً ووطنياً وأخلاقياً ، مشروعاً يعيد تعريف الإنسان منذ لحظة تكوينه ، والمدرسة كمنارة تحمي وتعلم ، والدولة باعتبار الصحة والمعرفة أمناً قومياً وثروة بشرية ونقطة البداية لكل شيء. فلا شيء أثمن من طفل ينمو بسلام ، ولا شيء أقدس من عقل يتفتح دون خوف ، ولا شيء أبقى من جيل يولد على ضوء العلم ودفء الرعاية. وهكذا تبدأ النهضة من خلية ، ومن فصل دراسي ، ومن نفس صغير لكنه يحمل في عمقه حياة كاملة ، ومن هنا تتحقق الصحة والعافية والرفاه ،،
د.علي المبروك أبوقرين
العالم الذي كان يتجه بثقة نحو الاستقرار والتنمية والتطور الحضاري، ويضع العلم والمعرفة في صدارة…
د.علي المبروك أبوقرين يأتي عيد الأم كواحد من أجمل المناسبات التي أقرتها الحضارة الإنسانية، ليس…
د.علي المبروك أبوقرين سارينات سيارات الإسعاف، وأصوات إنذارات المطافئ، ونداءات النجدة التي تخترق صخب المدن…
طرابلس | صحيفة ليبيا الإخبارية أعلن المركز الليبي للدراسات الأمازيغية عن إتاحة "المعجم الأمازيغي –…
د.علي المبروك أبوقرين الطبيب في جوهر رسالته حكيم وليس تاجر، والمريض إنسان ذو كرامة وليس…
لم تعد النظم الصحية في العالم تواجه تحديًا واحدًا يمكن التعامل معه بإجراءات تقليدية أو…