كتاب الرائ

الصحة التعليمية


هناك لحظة خفية تبدأ فيها الحكاية ، لحظة لا يسمعها أحد ، حين تنبض خلية في رحم أم ، وتتشكل من حولها أسئلة الحياة كيف نحمي هذا القادم؟ وكيف نصنع له طريقاً نظيفاً من المرض والجهل والخوف؟ في تلك اللحظة بالذات تبدأ الصحة التعليمية ، لا في روضة ولا في مدرسة ، بل في رحم يتهيأ لاستقبال صوت جديد للعالم . فالصحة التعليمية ليست برنامجاً ، ولا عيادة مدرسية ، ولا تقارير تُحفظ في ملفات تُنسى، إنها فلسفة حياة ومسار طويل ، ممتد من مرحلة ما قبل الوعي وحتى اكتمال الوعي ، من جنين يرف كعصفور صغير إلى شاب يقف على عتبة الجامعة يحمل قدرته على العيش ، وعلى أن يحمي نفسه ومجتمعه ووطنه . هي سجلات صحية متكاملة لا تُكتب بالحبر ، بل تُرسم بصوت النبض ، وبأنفاس الرضع ، وبنمو العظام وعيون الأطفال وهم يتلمسون نور المعرفة ، سجلات تحفظ بيانات الأم وحملها وولادتها ورضيعها ، وما ورثه من جينات ، وما يحمله من احتمالات تتلازمه في رحلته التعليمية الطويلة دون انقطاع أو فقدان ، تتابعه في الطفولة الأولى ، وفي روضة الألعاب والألوان ، وفي المدرسة التي يُفترض أن تكون قلباً نابضاً لا مبنى باهتاً ، وفي مراهقته حين يشتد داخله الضجيج ، وفي شبابه حين يخرج لسماء أوسع . صحة تعليمية ترى الطفل ككون كامل ، لا جسداً بحاجة لعلاج فقط ، تفحص النظر لا لتصحيح البصر فحسب ، بل لتصحيح الرؤية ، وتفحص السمع ليس فقط لسماع الأصوات ، بل لسماع الحياة ، تراقب النمو والعظام والقامة والعمود الفقري ، التغذية والتحسس ، والاضطرابات الوراثية ، والمتلازمات النادرة ، والأمراض الصامتة ، تمسك بالإنذار قبل أن يبدأ الألم ، وتتجاوز ذلك فتطل على النفس المرتعشة ، وعلى طفل يتعرض لتنمر صامت ، وعلى خوف مختبئ خلف جدار العائلة ، وعلى قلق يتسرب بلا صوت ، وعلى طفل ينهض كل صباح بجسد صغير وروح مجهدة . هي صحة تعليمية تُعنى بالذكاء وبالقدرات الذهنية ، وبالخمول والكسل ، وبفرط الحركة ، وبالسلوك وبالعواصف التي لا يراها أحد ، تهيئ الدماغ ليكون قادراً على التفكير واتخاذ القرار وبناء مستقبل جديد ، غير أن الصحة التعليمية لا تقف عند حدود الاكتشاف ، بل تحمل في عمقها حماية من الأمراض قبل أن تولد ، واكتشافاً مبكراً قبل أن يتفاقم الخطر ، وعلاجاً عاجلاً ناجعاً متقدماً لا ينتظر الطوارئ ، ومتابعة لصيقة لا تسمح للطفل أن يسقط بين تفاصيل الحياة ، وهي لا تنجح إلا حين تتشكل شراكة فعلية وفاعلة بين الأسرة والخدمات الصحية والتعليمية ، شراكة تمتزج فيها المسؤوليات وتلتقي فيها الأدوار ، لتكون الأسرة عيناً ، والمدرسة يداً ، والخدمات الصحية سواعد علمية متقدمة تحمي وتنبه وتعالج ، وتمتد هذه الفلسفة لتتخطى الخدمات الصحية المباشرة نحو دمج العلوم والمعارف والثقافة الصحية في المناهج والمناشط والسياسات ، فيصبح التعليم نفسه وقاية وتحصيناً ووعياً، وتتحول الصحة إلى جزء طبيعي من كل درس ، وكل نشاط ، وكل قيمة تُمارس داخل المدرسة وخارجها. وعندها تتحول الرياض والمدارس والمعاهد والجامعات إلى بيئات صحية متكاملة تحافظ على كرامة المعلمين والدارسين والعاملين ، وبها فصول وقاعات مكيفة صيفا ودافئة شتاء ، صالحة للتعليم التفاعلي والالي والابداعي ، فيها مختبرات ومعامل لغات وقاعات موسيقى ومسارح ومراسم وحدائق خضراء وملاعب وأماكن للبحث والاكتشاف ، وقاعات للأكل الصحي تُعد وتُراقب بإشراف صحي كامل ، لا مقاصف أشبه بعربات الأكل السريع المخالف . مدارس يقوم عليها معلمون ومعلمات مهيأون علمياً وفلسفياً وتربوياً ونفسياً ليكونوا شركاء في النمو لا مجرد ملقنين ، مدارس تُصمم بمعايير عالمية تسمح بالتفكير والبحث والفضول والتفاعل ، وبالتجريب والتقنية والرقمنة والذكاء الاصطناعي كأدوات للفهم لا كبديل للإنسان ، مدارس تتسع للمستقبل قبل أن يأتي ، وتبقى البيانات الصحية من أول نفس إلى آخر امتحان وديعة مقدسة ، وثروة وطنية ، ملكاً فردياً لا يُمس ولا يُساء استخدامه ولا يُتاجر به ولا يُخترق ، فهي ليست أرقاماً ، بل حيوات مكتملة وأجيال تتنفس ومستقبل يُكتب . ولأن الشعوب لا تنهض إلا بأطفالها ، ولا تُشيد مستقبلها إلا بسلامة عقولها وأجسادها ، فإن الصحة التعليمية تصبح مشروعاً صحياً وتربوياً ووجودياً وتنموياً ووطنياً وأخلاقياً ، مشروعاً يعيد تعريف الإنسان منذ لحظة تكوينه ، والمدرسة كمنارة تحمي وتعلم ، والدولة باعتبار الصحة والمعرفة أمناً قومياً وثروة بشرية ونقطة البداية لكل شيء. فلا شيء أثمن من طفل ينمو بسلام ، ولا شيء أقدس من عقل يتفتح دون خوف ، ولا شيء أبقى من جيل يولد على ضوء العلم ودفء الرعاية. وهكذا تبدأ النهضة من خلية ، ومن فصل دراسي ، ومن نفس صغير لكنه يحمل في عمقه حياة كاملة ، ومن هنا تتحقق الصحة والعافية والرفاه ،،
د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى