كتاب الرائ

27 مليون وثيقة في مهب الريح !

▪بقلم جلال عثمان

البوصلة

المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية أو “مركز جهاد الليبيين” سابقًا، ليس مجرد مؤسسة تقليدية، ضمن السياق الإداري للدولة الليبية، المثقل بالعمالة غير المنتجة، المركز ذاكرة وطنية، وأرشيف للدولة الليبية، يصل عدد المواد المؤرشفة فيه إلى أكثر من 27 مليون وثيقة، ورغم الميزانيات المتدنية مقارنة بمهامه، قد أصدر المركز منذ تأسيسه في العام 1978 أكثر من 1100 عنوانًا في التاريخ الليبي، كما عمل منذ تأسيسه كبيت خبرة، لمؤسسات الدولة الليبية، من جامعات ومراكز بحثية، ووجد فيه الطلاب والبحاث ضالتهم المنشودة، فمن رحمه ولدت المئات من الرسائل الأكاديمية، والبحوث

المحكمة.

أقيم المركز على أنقاض مقبرة قديمة، وهي مقبرة سيدي العرضاوي، وبحكم قانون الآثار، فالمقابر القديمة قد صنفت كمناطق أثرية، وبذلك تكون تبعيتها لمصلحة الآثار وليس لهيئة الأوقاف .. والخطأ بدأ عندما تم التغاضي عن إصدار قرار بنزع ملكية الأرض للمنفعة العامة، فلم يكن المسؤول حينها قد حسب لما حدث بعد انتفاضة فبراير أي حساب.

السجال بين إدارة المركز لم يكن وليد فبراير، ولكنه ولد مع المركز، الذي كان الأبرز، والأكثر إنتاجًا ضمن المراكز التي تأسست معه، أو قبله، حيث بدأت المشكلة بضم الأرض كوقف، ولا أحد من الذين تواصلت معهم يعرف كيف تم ذلك. هنا دخل المركز في صراعات، وتصادمات، ونزاعات مع هيئة الأوقاف.

النزاع انتهى مرحليًا في العام 2005 بحكم قضائي ألزم المركز بدفع 2000 دينار شهريًا مقابل إيجار قطعة الأرض التي أقيم عليها، وبعد أربعة سنوات استلم فرع الهيئة في طرابلس مبلغ 4 مليون دينار كقيمة إيجارات، تغطي الفترة السابقة وجزء من الفترة اللاحقة، وما كاد أن يدفن الصراع، حتى عاد ليمد أطرافه على السطح بعد العام 2011، وأعيد تفعيل ماراثون السجالات، حتى تم التوصل إلى تسوية جديدة قبيل دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس عام 2016، وتكونت لجنة سداسية من الطرفين لتسوية الخلاف، بأن يتم احتساب قيمة الإيجار وفقًا لقرار المحكمة، ذو الأربعة ملايين، إلا إن الطرف المحاور من جانب هيئة أوقاف طرابلس، كان يرنو أيضًا لرفع قيمة الإيجار .

في 28 نوفمبر 2016 كانت البداية المرحلية للنهاية، حيث صدر حكم بالحجز على المركز، وعلى مرتبات العاملين في كامل فروعه، من بنغازي إلى غدامس، مرورًا بسبها، رغم أنه لا يجوز قانونًا الحجز على المال العام.

وبدل أن يواصل المركز بحوثه ودراساته، وتجميع الأرشيف الليبي المتناثر هنا وهناك، تفرغ لمواجهة حرب شرسة، في ساحات الإدعاء، وطالب برفع الحجز، وإعادة القضية للجنة السداسية المشكلة من الطرفين، ولكن لم يحدث ذلك، بل تحولت هيئة الأوقاف إلى استخدام أسلحة جديدة، تمثلت في سلاح المحاصرة والاعتصامات، حيث شهد ديسمبر 2016 أول حصار للمركز من قبل جماعات محسوبة على هيئة الأوقاف، تطور ليصبح اقتحامًا بملابس عسكرية، من جماعة مسلحة، وأخرى مدنية، تمكنت لاحقًا من الدخول لمكتب الدكتور محمد الطاهر الجراري، مدير المركز، مطالبينه بإخلاء المبنى في الحال، أو الموافقة على توقيع رسالة إقرار تفيد بملكيته لهيئة الأوقاف، وهو الحل الذي وجده الدكتور الجراري كفيلًا بحماية المركز من الضياع.

واستمر تحرش الهيئة بالمركز، وتواصلت التهديدات، والمطالبة بملايين أخرى، فحسب إدعاءات مسيريها، فأن الأربعة ملايين دينار لم تسدد كإيجارات، بل صرفت على مبنى المركز، وهو ما يتنافى مع الحقيقة، ولم يكن أمام الجراري ومن معه، إلا محاولة الوصول لتسوية أخرى، متعهدًا بقبول أي حكم قانوني لجهة محايدة، وقد رفض السادة بهيئة أوقاف طرابلس أي تسوية إلا بعد توقيع عقد إيجار جديد بقيمة 96 ألف دينار شهريًا، وهو ما يعد شرطًا تعجيزيًا، وأد أي بادرة لإنقاذ المركز، فما كان هناك من حل إلا بالتوجه لرئاسة الوزراء، وهي الجهة التي يتعبها المركز، وهيئة الأوقاف معًا، ولم تقدم زيارة فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي للمركز في الرابع من فبراير 2017، أية خطوة نحو الحل، إذ عاد مدير الهيئة بعد 4 أيام ليستعرض إمكانياته في التهديد والوعيد، مصرًا على توقيع عقد جديد يتقاضى بموجبه 96 ألف دينار شهريًا، مقابل عدم العبث بمحتويات المركز، وتشكيل لجنة أخرى للنظر في الديون، وهو ما يعد ابتزازًا للحصول على أموال عامة، والاستيلاء على مقر مؤسسة ذات نفع عام، والعبث بمحتوياتها، وغير ذلك ضياع الذاكرة الليبية، ورغم أن هيئة الأوقاف جهة تتبع الدولة، وتتلقى أموالًا عامة كحال المركز، إلا أنها لم تمتثل لتعليمات أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، وواصلت الإضرار الجسيم بمصلحة الوطن.

الآن خرجت جميع الحلول من يد الحكومة، فقد أثبتت أنها عاجزة، الحل الآن بيد أبناء ليبيا الغيورين، وبيد مؤسسات المجتمع المدني، وجماعات الضغط، ولا حل لهذه المشكلة يمكن أن يطرح ما لم يبدأ بنزع ملكية الأرض المقام عليها مبنى المركز للمنفعة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى