عانت ليبيا خلال عقود ما قبل النفط، من أمراض مستوطنة وفقر مدقع، إلى جانب استعمار من أشدّ أشكال الاستعمار قسوة وشراسة. وكانت الحياة آنذاك شديدة الصعوبة، حيث حُرم المواطن من أبسط مقومات العيش الكريم، وفي مقدمتها التعليم والصحة والسكن. ومع اكتشاف النفط، بدأت ملامح التحول تتشكل تدريجيًا، فتحسنت الظروف المعيشية شيئًا فشيئًا، وشهدت البلاد نهضة ملحوظة في مجالات التعليم والصحة والتوظيف والإسكان. ومع استكمال البنية التحتية الحيوية، الصحية والتعليمية والخدمية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، تحقق إنجاز كبير تمثل في القضاء على الأمية تقريبًا، والسيطرة على الأمراض المعدية، ونجاح برامج التحصين الشامل لكافة المواطنين. وأصبح التعليم والصحة والحماية الاجتماعية حقوقًا مكفولة ومُنفّذة فعليًا، دون أن يتحمل المواطن أعباء مالية تُذكر. لم يتأخر أحد عن التعليم إذ كان إلزاميًا ومتاحًا للجميع، ولم يُحرم مريض من العلاج، ولم يكن نقص الدواء أو غياب الطبيب أمرًا واردًا. بل فُتحت آفاق التعليم والعلاج في الداخل والخارج، مما أسهم في إعداد أجيال متعاقبة من الكفاءات، حتى أصبح أبناء جيل الخمسينات وما بعده من حملة الشهادات العليا، الذين خاضوا مختلف التخصصات وأسهموا في بناء المجتمع. غير أن هذا الواقع المشرق لم يستمر، إذ تشهد ليبيا اليوم تراجعًا مؤلمًا، لا سيما في القطاع الصحي، الذي لا تقل أزمته خطورة عن غيره، بل ربما تفوقها، لكونها تمسّ صحة الإنسان وحياته بشكل مباشر. لقد أصبحت معاناة المرضى واضحة، وامتدت آثارها إلى شرائح واسعة من المجتمع، بما في ذلك الفئات التي تُعد العمود الفقري للدولة. إن هذا الوضع يستدعي وقفة جادة ومسؤولة، لا تحتمل التأجيل أو التهاون. فمن الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة تضمن عدم تأخر علاج أي مريض تحت أي ظرف. وتوفير الأدوية الأصلية الموثوقة بشكل كامل ومستمر، دون انقطاع. وضمان التشخيص الدقيق والحديث. وتأمين الكوادر الطبية المؤهلة في كافة التخصصات. وتحمل الدولة كامل تكاليف العلاج والتأهيل الطبي للمواطنين. كما يجب تنظيم سوق الدواء بشكل صارم، ومنع تداول أدوية الأمراض المزمنة والخطيرة كالأورام والأمراض المناعية والنادرة، والأمراض النفسية والعصبية خارج القنوات الرسمية الحكومية، لما يشكله ذلك من خطر على حياة المرضى. ومن الأهمية بمكان أن تتوفر خدمات الرعاية الصحية الشاملة بما في ذلك الرعاية الاستباقية والتنبؤية والوقائية والرعاية الأولية والمنزلية، وبرامج الكشف المبكر، على أن تكون مستمرة ومنهجية، لا مجرد حملات موسمية أو دعائية. كما ينبغي الإسراع في معالجة قوائم الانتظار، عبر تأهيل المستشفيات الحكومية وتجهيزها، وتوفير الكوادر الطبية والصحية الماهرة، لأن أي تأخير في ذلك يعني مزيدًا من المعاناة والمآسي التي يتحملها المواطن. إن الحق في الصحة ليس ترفًا، بل هو حق أصيل، وأحد أهم المؤشرات الحقيقية التي تُقاس بها قوة الدولة وعدالتها. وأي تقصير في هذا الحق ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع وكرامة الإنسان. وعليه يجب أن لا يتحمل أي مواطن تكاليف العلاج على نفقته الخاصة وأن يوفر له العلاج بجودة عالية وبالمجان.
د.علي المبروك أبوقرين
مصطفى البوسيفي.. سيرة تُروى مسرح عامر الحجاجي — بالهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون لم يكن…
د.علي المبروك أبوقرين في غياب النظام الصحي القوي الموحد الفعال، وغياب التغطية الصحية الشاملة، وغياب…
د.علي المبروك أبوقرين ليس الطب مجرد علم يُدرس، ولا مهنة تُمارَس إنما هو صناعة الحكيم،…
د.علي المبروك أبوقرين في الفكر الصحي المعاصر إشكالية عميقة حيث تحولت النظم الصحية عند البعض…
د.علي المبروك أبوقرين لطالما قيست قوة النظم الصحية بقدرتها على علاج المرضى، والمقياس الحقيقي للقوة…
د.علي المبروك أبوقرين من موقع الطبيب الذي يرى الإنسان قبل المرض ويشهد تفاصيل الألم قبل…