د.علي المبروك أبوقرين

ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها. الطاعون والكوليرا والجدري والإنفلونزا الإسبانية والإيدز وكوفيد وغيرها من الجوائح حصدت ملايين الأرواح، وأعادت تشكيل الاقتصاد والسياسة وأنماط الحياة لكنها رغم قسوتها لم تُصِب جوهر الإنسان في مقتل. ظلت الرحمة ممكنة، والتضامن حاضرًا، والأمل قائمًا، لأن تلك الأوبئة كانت امتحانًا للجسد والعلم وليس اختبارًا للضمير والقيم. أما اليوم فنحن أمام وباء مختلف تمامًا وباء لا يُرى بالمجهر ولا يُقاس بالتحاليل، ولا تُعلن عنه منظمة صحية، لكنه الأكثر انتشارًا وتأثيرًا. إنه وباء يصيب المعنى قبل الجسد، والقيم قبل الخلايا، والسلام النفسي قبل الصحة البدنية. يمكن تسميته بلا تردد فيروس الدنيا الفتّاك. وهذا الفيروس لا يقتل مباشرة بل يُفرغ الحياة من مضمونها. ويجعل الإنسان وسيلة بعد أن كان غاية، وسلعة بعد أن كان قيمة، ورقمًا بعد أن كان قصة. وأخطر أعراضه أنه لا يظهر فجأة بل يتسلل تدريجيًا حتى يصبح القبح مألوفا، والعنف طبيعيًا، والأنانية فضيلة، والدهاء مرادفًا للنجاح، والتوحش واقعية لا مفر منها. نراه حين تتحول الصحة إلى تجارة، والتعليم إلى استثمار ربحي مجرد، والبيئة إلى مخزون استنزاف، والإنسان إلى تكلفة في دفاتر الحسابات. ونراه في تجارة المرض والجوع والخوف، وفي تسويق ما يضر بالحياة بلغة علمية انتقائية تخفي الجريمة خلف مصطلحات براقة. ونراه كذلك في الغلاء غير المبرر حيث ينفصل السعر عن القيمة والربح عن الضمير والاستهلاك عن الوعي. لكن أخطر تجلياته ليست اقتصادية فقط بل أخلاقية واجتماعية عنف يتصاعد وحسد وغيرة مرضية قاتلة، وأحقاد مزمنة وانتقام بلا سقف، وغش وتزوير وتدليس وتخريب وتدمير، وخطف وتعذيب وقتل وابتزاز، وفساد إداري واسطة ومحسوبية، وسرقات منظمة وتجارة مخدرات، وإضرار متعمد بالإنسان والبيئة والوطن. والمأساة الحقيقية ليست في وجود هذه الظواهر فقط بل في تراجع صدمة المجتمع منها وحين يصبح الظلم خبرًا عابرًا والجريمة حدثًا يوميًا بلا غضب. ومن زاوية طبية فلسفية، يشبه ما يحدث انهيار جهاز المناعة في الجسد. فالجسد قد يتعايش مع أمراض مزمنة إذا كانت مناعته صامدة، لكن انهيار المناعة يجعل أي مرض بسيط قاتلًا. وكذلك المجتمعات حين تضعف القيم تفشل الأنظمة مهما بدت قوية ظاهريًا. ويفشل النظام الصحي عندما يتحول الطب إلى سوق، والتعليم عندما ينفصل عن بناء الإنسان، والاقتصاد عندما يتحول إلى آلية افتراس، والسياسة عندما تفقد بعدها الأخلاقي. وعندما يمرض الضمير يحدث انقلاب خطير في المفاهيم ويصبح الخطأ سياسة، والجريمة نشاطًا اقتصاديًا، والإهمال ظرفًا، والتقصير ثقافة، والضحايا مجرد أرقام. والأخطر أن المصاب بهذا الفيروس يظن نفسه سليمًا بل ناجحًا ومواكبًا للعصر، فيرى القسوة ذكاءً، واللامبالاة اتزانًا وبيع كل شيء ضرورة. فهذه ليست أزمة أخلاق فردية فحسب بل مرض مجتمعي ثقافي واسع التأثير، له مضاعفات صحية ونفسية وبيئية وحضارية. إنه يُضعف التعاطف ويشوه معنى النجاح ويخلط بين الحرية والفوضى، وبين التقدم والتوحش، وبين السوق والحياة. والسؤال الحقيقي ليس أين العلاج؟ بل هل ما زلنا نبحث عنه بجدية؟ لأن علاج هذا الفيروس لا يُصنع في المختبرات بل في الضمير الحي. ويبدأ بإحياء القيم وببناء أنظمة عادلة وتعليم يصنع إنسانًا لا مجرد موظف، وطب يعالج الإنسان وليس السوق، وسياسات ترى الكرامة الإنسانية أساسا وليس عبئًا. غير أن الحقيقة القاسية أن هذا الفيروس لا ينتصر لأنه أقوى بل لأنه يجد بيئة تسمح له بالانتشار وصمت يبرر وخوف يعطل ومصالح تغذي ونخب تتواطأ، ومجتمعات تتكيف مع الخلل بدل مقاومته. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي، لا حين يكثر الفساد فقط بل حين يفقد الناس القدرة على رفضه. فالحضارات لا تسقط عندما تنضب مواردها بل عندما تتآكل قيمها. والإنسان لا يُهزم حين يمرض جسده بل حين يمرض ضميره. وعند تلك اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال كيف ننجو من الأزمة، بل هل بقي فينا ما يستحق النجاة أصلًا؟

منشور له صلة

إعلان عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية

تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…

يومين منذ

قراءة في كتاب: موقع المغرب في قلب معادلة الهجرة الإقليمية

للكاتب السنغالي مامادوموث بان   لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…

5 أيام منذ

إنسانية الطب والصحة في زمن السوق

د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…

6 أيام منذ

انطلاق الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة ..تحت شعار “الإنسان وقيم المستقبل”بمسرح مدرسة الصديقة

تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…

6 أيام منذ

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

أسبوع واحد منذ

التأخر في التشخيص وفرص العلاج

د.علي المبروك أبوقرين التأخر في التشخيص لا يبدأ في المستشفى ولا في العيادة، بل يبدأ…

أسبوع واحد منذ