الجودة ليست قرارًا إداريًا ولا برنامجًا وقتيًا ، بل فكر مؤسسي ومنهج حياة ، تُبنى به الأمم وتُصان به الأرواح ، وهي فلسفة تؤمن بأن لكل عمل قيمة ، ولكل تفصيل أثر ، ولكل إنسان حق في أن يتلقى الأفضل ويقدّم الأفضل ، وحين نُدخل هذه الفلسفة إلى التعليم الطبي والتدريب السريري والخدمات الصحية ، تَغرس في جوهر النظام الصحي والتعليم الطبي روح الإتقان ومسؤولية الإنسان تجاه الإنسان ، وفي التعليم الطبي ، تبدأ الجودة من تصميم المناهج التي تُخاطب العقل والفكر والضمير ، مرورًا بطرق التدريس الحديثة ، ووسائل التقييم الشفافة ، وانتهاءً بتخريج الطبيب القادر على الجمع بين العلم والرحمة ، والمعرفة والضمير ، وفي التدريب السريري ، تعني الجودة بإعداد الكادر الطبي في بيئة حقيقية ، يتعلم فيها مهارات الممارسة بأمان ، والتعامل مع المريض كقيمة لا كحالة ، وأما في الخدمات الصحية ، فالجودة لا تُقاس بعدد الأجهزة أو المباني ، بل بمدى سلامة الخدمة ، وكرامة المريض ، واستدامة النظام الصحي وعدالته ، والجودة في التعليم الطبي والتدريب السريري لا تقتصر على المناهج والمدرسين والمتدربين ، بل تمتد إلى البيئة التي تحتضن العلم والممارسة ، فالمباني والتجهيزات ليست ديكورًا ماديًا ، بل عنصرًا تربويًا وتدريبيًا حيويًا يعكس فلسفة المؤسسة ورؤيتها للجودة ، وتصميم القاعات والمختبرات والمستشفيات التعليمية يجب أن يُترجم مفاهيم السلامة ، والوظيفية ، والانسيابية ، والعدالة في الوصول إلى الخدمات ، فكل مساحة داخل المؤسسة ينبغي أن تُحفّز على التعلم والتفكير والتعاون ، وأن تُراعي العوامل النفسية والبيئية التي تؤثر في الأداء والتحصيل والإنجاز ، إن جودة المباني والتجهيزات الطبية والتعليمية تعني تكامل التصميم مع الوظيفة ، والمظهر مع المضمون ، والتقنية مع الإنسان ، فهي التي تُمكّن الطالب من الفهم بالمشاهدة والتفاعل ، والمتدرب من الإتقان بالممارسة ، والمريض من الثقة بالخدمة ، وتخلق في النهاية منظومة متكاملة تعكس هوية الجودة في أبهى صورها ، إن محترفو الجودة ليسوا إداريين وفنيين عاديين ، بل فلاسفة الإتقان وعلماء التفاصيل ، وهم من يقرأون الأخطاء قبل وقوعها ، ويقيسون الأداء بروح العدالة لا بالعقاب ،
ويتعاملون مع البيانات كنبض حيّ ، ومع المعايير كقوانين حياة ، ويتحلون بصفات دقيقة منها التحليل والحياد والموضوعية ، والإيمان بالتحسين المستمر ،
ويملكون مهارات علمية وفنية وإدارية متشابكة في فهم النظم وإدارة المخاطر ، وتحليل العمليات ، وتصميم الإجراءات ، والتقييم المبني على الدليل ، وصنّاع المعايير وواضعو الأدلة هم مهندسو الثقة ، الذين يُحوّلون المفاهيم المجردة إلى أدوات عملية قابلة للقياس والتطبيق ، وهم من يصوغون نظم الاعتماد ، ويُحدّثون الأدلة ، ويبتكرون أدوات القياس والمراجعة لتبقى الجودة حيّة متجددة لا جامدة ، وأما المدققون والمراجعون والمراقبون ، فهم ضمير المؤسسات ، الذين لا يبحثون عن الأخطاء ليعاقبوا ، بل ليبنوا ثقافة التحسين المستمر ، والمتخصصون في تأهيل المؤسسات لاعتماد الجودة ، هم صُنّاع التحول الحقيقي ، الذين ينقلون المنظمات من الأداء العادي إلى الأداء المتميز المستدام ، والاعتماد ليس غاية في ذاته ، بل أداة من أدوات الجودة تُترجم الفكر إلى ممارسة ، والمعيار إلى واقع ،
وهو الميزان العادل الذي يُقيم الأداء المؤسسي وفق معايير محددة ، ويُحوّل النوايا إلى التزامات ، والإجراءات إلى نتائج قابلة للقياس والتحسين ، فالاعتماد لا يمنح التميز ، بل يوثّقه ويؤكده ، ويُعيد تعريف المسؤولية المؤسسية على أساس من الشفافية والمساءلة والتطوير المستمر ، وحين تُصبح ثقافة الاعتماد جزءًا من وجدان المؤسسة ، يتحول إلى رحلة دائمة نحو الإتقان ، تُراجع فيها الذات لا لتُعاقَب ، بل لتتطور ، إنه باختصار مرآة الجودة ومحرّكها في آنٍ واحد ، لا يصنعها بل يُنضجها ، ولا يفرضها بل يُرسّخها .
قال رسول الله ﷺ ، ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه ) ، وبهذا الحديث النبوي تكتمل فلسفة الجودة ، ويتجلى المعنى العميق للإتقان كقيمة إنسانية وإيمانية في آنٍ واحد ، فالإتقان ليس مجرد أداء جيد ، بل عهد بين الإنسان وربه وضميره ومجتمعه ، أن يُؤدّي العمل بأمانة وكمال ، كما لو كان يقدم شهادة على نفسه أمام التاريخ . ومن هنا تظل الجودة ليست غاية تُبلغ ، بل مسار يُسلك ، وعقل يُفكر ، وروح تُؤمن بالإتقان ، إنها علمٌ يقوم على الدليل والمنهج ، ومعرفةٌ تُستمد من التجربة والخبرة ، وثقافةٌ تُبنى بالوعي والانضباط ، وأسلوبُ حياةٍ يعكس قيمَ الالتزام والشفافية والعدل والمسؤولية ، وهي ليست عملًا إداريًا ولا إجراءً مكتبيًا ، بل رؤية إنسانية متكاملة توحد الفكر والعلم والسلوك في منظومة واحدة هدفها الارتقاء بالإنسان والمجتمع ، بدون تطبيق نظم الجودة في التعليم الطبي والتدريب السريري والخدمات الصحية ، تبقى الجهود متناثرة ، والنتائج مؤقتة ، والأنظمة هشة لا تصمد أمام التحديات ،
أما حين تسكن الجودة في الفكر والوجدان تتحول المؤسسات إلى كائنات حيّة تنبض بالتحسين المستمر ، ويصبح الإتقان فطرة لا تكلّف ، وثقافة لا تُفرض ، ومسؤولية لا تُؤجل ، ولذلك فإن النهضة الحقيقية تبدأ من لحظة الوعي بأن الجودة ليست ترفًا تنظيميًا ، بل هي أعمق أشكال الاحترام للإنسان والحياة والعمل ، ومن لا يتقن لا يستحق أن يقود ، ومن لا يؤمن بالجودة لا يمكن أن يبني عمل يدوم ،،
د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…
تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…
للكاتب السنغالي مامادوموث بان لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…
د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…
تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…
شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…
عرض تعليقات
ربي يوفقك دكتور