تحول خطير في فلسفة الرعاية الصحية في بلادنا ، وإنزلقت الصحة إلى مستنقع التسليع والبيع والشراء في سوق الاستثمار في المرض ، وأُفرِغت المهنة الإنسانية النبيلة من قيمتها الأخلاقية ، وسُلب منها الحق الإنساني والاجتماعي ، وضُربت العدالة الصحية والاجتماعية في مقتل ، وأُثقل كاهل المجتمع ماليا ونفسيا ، وزادت الأمراض المعدية والمزمنة ، وتدنت الخدمات ، وتراجعت المؤشرات الصحية ، مع الإهمال الكلي للطب الاستباقي والتنبؤي والوقائي والرعاية الصحية الاولية ، وإنهارت الثقة في الخدمات الصحية ، واختفت القيم الإنسانية والرحمة والضمير أمام منطق التجارة والأرباح ، وتحول المفهوم من الصحة كحق إنساني مجاني أو برسوم رمزية إلى الصحة بزنس باهظ التكاليف بلا مردود على المرضى ، والمريض فرصة والصحة تقاس بالمباني والتجهيزات والإعلانات والدعاية الكذابة ( البروباقندا ) ، ويقاس الاستثمار فيها على حساب الإنسان وليس لصالحه ، والمرض يصبح مورداً مالياً مهماً ، والشفاء تهديدًا للقطاع الصحي التجاري العشوائي الغير منضبط والغير منظم ، والقائم على القطاع الصحي العام ، والمال العام ، والقوى العاملة الصحية العامة ، والمريض المكفول ، وأصبحت المؤسسات الصحية العامة مشلوله ، والخدمات مفقودة ، والكفاءات غائبة ، وتحولت لمصدر إقناع وتبرير للخصخصة والنهب والتأجير ، وتكونت أجسام صحية موازية أفرغت الأصل من صلاحياته ، وتستنزف أموال طائلة في اللا شئ ، والواقع الصحي متدهور والقطاع الصحي مأزوم ، يدار كغيره بعقلية الريع والغنيمة ، والتفكيك والتركيب ، والسطو المؤسسي على حقوق الناس في الصحة والتعليم الطبي والصحي ، وهدر للثروات على شبكات المصالح في نظام صحي مفكك ، وتعليم طبي سيئ ، وتدريب سريري معدوم ، وكفاءات مهاجرة أو مهمشة ، وطب وقائي ميت ، ونظام علاجي يحتضر ، ومع الإنهيار الشامل ترتفع معدلات إنتشار الأمراض المعدية والمزمنة ، وتزداد نسب المضاعفات والوفيات ، واللجوء للهجرة العلاجية ، وتستنزف موارد الناس والدولة في العلاج في الداخل والخارج ، وتزدهر أسواق التأمين الصحي والسمسرة الطبية ، وتتسع الفجوة الطبقية وصحة الأغنياء مقابل موت الفقراء ، والتعليم الطبي في أسواء حالاته ، شركات ووكالات وهيئات ومسميات محلية وعربية وافريقية ودولية وكل شئ متاح ومباح مع توفر المال والعملة لا قيمة لصحة وكرامة الأمة ، ولذلك نحن في حالة صناعة المرض والجهل ، وتحويل الإنسان إلى سلعة ، والمرض إلى فرصة ربح وثراء من جيوب الفقراء ، وبالضرورة حماية الصحة من الانزلاق في هذا المستنقع الرديء ، وحماية النظام الصحي الليبي العام وتقويته ببنية سيادية عادلة ، وتوفير الخدمات الصحية العالية الجودة لجميع الناس ، وحظر إزدواجية المصالح ، وتعزيز أخلاقيات المهنة ، وترسيخ الوعي الصحي المجتمعي ، وتجميد التوسع العشوائي للخاص إلى حين التنظيم القانوني والإداري والفني ، ووضع المعايير التي تنظم العمل الصحي الخاص ، ومراجعة وإعتماد بروتوكولات ومرجعيات ومعايير ونتائج ومؤشرات الاداء لكل مؤسسة صحية وتعليمية للطب والتمريض ، إن الأزمة الصحية يترتب عليها أزمات خطيرة ومعقدة ، ولا يصلحها تأمين صحي يزيد في الإفساد ، ولا تأجير المستشفيات والمراكز الطبية والمعاهد للسماسرة ، ولا اللجوء لمن نملك ما يملكون من مال ولا يملكون ما نملك من رجال ،
الصحة ليست سوقا للربح بل رسالة للرحمة ، وحين تصبح تجارة يموت الضمير وتنهك الشعوب .
د.علي المبروك أبوقرين

منشور له صلة

إنسانية الطب والصحة في زمن السوق

د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…

19 ساعة منذ

انطلاق الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة ..تحت شعار “الإنسان وقيم المستقبل”بمسرح مدرسة الصديقة

تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…

23 ساعة منذ

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

3 أيام منذ

التأخر في التشخيص وفرص العلاج

د.علي المبروك أبوقرين التأخر في التشخيص لا يبدأ في المستشفى ولا في العيادة، بل يبدأ…

4 أيام منذ

إعلان عن عقد اجتماع الجمعية العمومية لشركة البنية للاستثمار والخدمات

يسر مجلس إدارة شركة البنية للاستثمار والخدمات دعوتكم لحضور الاجتماع العادي (الأول) لسنة 2026م. تفاصيل…

6 أيام منذ

أخلاقيات النظم الصحية

د.علي المبروك أبوقرين أخلاقيات النظم الصحية لا تُقاس بجمال الشعارات ولا بعدد القوانين، بل بما…

أسبوع واحد منذ