كتاب الرائ

خدعوك فقالوا عن التعليم والصحة

د.علي المبروك أبوقرين

مررنا بعقود عجاف ، فقر وجهل وأمية عالية ، وأوبئة وأمراض ، ونسبة وفيات الأمهات والرضع الأعلى في الإقليم ، ومتوسط الأعمار قصير لا يزيد كثيرا عن نصف متوسط الاعمار الآن ، والمدارس الابتدائية والاعدادية عشرات ، والتانوية الى التعداد الأخير لم يتجاوز عدد المدارس أصابع اليدين ، والمستشفيات على ما بناه المستعمر لمستوطنيه غير ذلك لا خدمات صحية تذكر ، ماعدا الأعشاب والكي والأحجبة والحضرة ، ومن السبعينيات بداءت المدارس والمعاهد والجامعات والمستوصفات والمراكز الصحية والمستشفيات ، ووصلت ذروتها منتصف الثمانينات ، وتحسنت المعيشة ، وزاد التوظيف واستجلاب المعلمين والمعلمات ، والأطباء والتمريض من الدول العربية والأجنبية ، وكان من خيارهم علمًا وخبرة وكفاءة ، وأُرسلت دفعات متتالية بالالاف للدراسة الجامعية ونيل اجازات التخصص في العلوم الإنسانية والتطبيقية في شتى المجالات ، وكان كل ذلك تعليم وعلاج في الداخل والخارج على نفقة الدولة بالمجان ، حتى تحولت ليبيا إلى  مصاف الدول المتقدمة ، وحققت مؤشرات عالمية عالية في التعليم والصحة ومستوى المعيشة والعدالة والحماية الاجتماعية ، ولا أي أعباء مرهقة على المواطن في الغذاء والتعليم والصحة ، حتى حدث تحول خطير له تبعات إجتماعية واقتصادية وصحية وتعليمية صعبة ومتشعبة ومعقدة ، والدولة لازالت ريعية تعتمد بالكامل على النفط كمورد وحيد ، ولا وجود لتنوع إقتصادي مُجدي ، ولا صناعة أو استثمارات حقيقية ، وتراجعت جودة التعليم والصحة لما  حدث لهما من إهمال متعمد ، وتدمير للبنية التحتية الصحية العامة ، وتحول إلى خصخصة غير منظمة وعشوائية وغير مفهومة على يد كوادر الدولة أنفسهم معلمين وأساتذة وأطباء وغيرهم ، وتحمل المواطنين تكاليف باهظة من جيوبهم في تعليم وعلاج أبنائهم على نظام يفترض أن يقدم الخدمات مجانًا ، وترتب على ذلك إتساع الفجوات بين الطبقات ، ومن يملك يستطيع كل شئ ، ومن لا يملك لا تعليم ولا علاج ولا معيشة لائقة ، وتنهار الطبقة الوسطى أمام تكاليف التعليم والعلاج والمعيشة ، وزاد استغلال الوظيفة العامة للمصلحة الخاصة ، وتراجعت الدولة الاجتماعية وانتشرت أشكال من الانهيار القيمي والفساد الإجرامي ، حتى صار يشكل تهديد مباشر للسلام الاجتماعي والتماسك المجتمعي ، وتفشي للكراهية والحسد والأحقاد والعنف ، والإنقسام العمودي في المجتمع  ، والتعليم والصحة كانا آخر ما يجمع المجتمع وبفقدهما يُفتقد الرابط ، وبفقدان الثقة في المدارس والجامعات والمستشفيات الحكومية يتآكل  دور الدولة كضامن للخدمة العامة الأساسية ، ويفقد المواطن الثقة في الدولة والمؤسسات ، ويتولد الشعور بالاغتراب وتآكل  الانتماء ، وتسود الفوضى والمحاباة والواسطة ، وتختفي الرقابة ويزداد التهميش الاجتماعي والاقتصادي ، ويضعف الرأس المال البشري ، ويركز التعليم الخاص على المكاسب والأرباح على حساب الجودة ، والعلاج الخاص بلا معايير ولا كفاءة ولمن يدفع أكثر والفواتير تتضخم ، والأسواق تغرق بالأدوية المغشوشة والمزورة والأغذية الضارة ، وللجهالة سوق الشهادات المفتوح ، والمواطن يرى ثروات بلاده لا تنعكس على حياته ولا تؤمن مستقبل أبنائه  ، والخدمات الإنسانية تحولت لتجارية ، ومؤشرات التدني في التعليم والصحة تتصاعد ، وخطر الأمراض المعدية والمزمنة يهدد البلاد والعباد ، ما ينعكس على الأستقرار والتنمية والتماسك الاجتماعي ، ولهذا بالضرورة وضع إستراتيجيات للحد من التدهور واعادة هيكلة التعليم والصحة ، ورفع جودتهما ودعمهما بشكل حقيقي وجاد ، وتمويلهما من عائدات النفط بشكل عادل ومنصف ومنضبط ، وتحفيز الكفاءات ماديًا ومعنويًا وبالتدريب المستمر للبقاء في القطاع العام ، وتفعيل الرقابة والمساءلة والحوكمة والشفافية ، ومنع تضارب المصالح قانونيًا وتغليظ العقوبات في ذلك ، وحماية المجتمع من الاستغلال في تعليم وعلاج أبنائهم  وذويهم ، والكف عن المتاجرة في الإنسانية بحجج أصحاب المصالح ، والتعليم والصحة خدمات إنسانية نبيلة لا يجب تسليعهم بالمنطق والعلم والأخلاق ، ولا حاجة لذلك مهما بررها الحذاق ، وما يصلح لبلاد أخرى ليس بالضرورة يصلح لبلادنا ، وإن كان ولابد لنتمارى مع السويد أو الدنمارك والترويج ، الذين يتعلم ويتعالج فيهم المواطن والمقيم بجودة عالية بالمجان وبدون تأمين طبي ، وبدون مكاتب وشركات ووكالات وسماسرة تبيع الشهادات .

خدعوك من أفشل القطاع العام في التعليم والصحة ليتاجروا فيهم وفي الناس ، والنتيجة إستفحال المرض ، وإفقار الأمة ، واستنزاف الوطن .

إن التعليم والصحة قاطرة التنمية إذا تعطلوا تعطلت الأمة ، وعندما يتحول التعليم والطب إلى تجارة تباع كرامة الناس على طاولات المال ، وحين يصبح العلاج لمن يدفع ، والتعليم لمن يملك يموت الضمير ويتمزق الوطن ، وليبيا لا تحتاج لمعجزة لتحقق الازدهار والرفاه بل تحتاج لإرادة وحكمة وعقول وإنتماء .

منشور له صلة

قراءة في كتاب: موقع المغرب في قلب معادلة الهجرة الإقليمية

للكاتب السنغالي مامادوموث بان   لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…

ساعة واحدة منذ

إنسانية الطب والصحة في زمن السوق

د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…

21 ساعة منذ

انطلاق الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة ..تحت شعار “الإنسان وقيم المستقبل”بمسرح مدرسة الصديقة

تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…

يوم واحد منذ

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

3 أيام منذ

التأخر في التشخيص وفرص العلاج

د.علي المبروك أبوقرين التأخر في التشخيص لا يبدأ في المستشفى ولا في العيادة، بل يبدأ…

4 أيام منذ

إعلان عن عقد اجتماع الجمعية العمومية لشركة البنية للاستثمار والخدمات

يسر مجلس إدارة شركة البنية للاستثمار والخدمات دعوتكم لحضور الاجتماع العادي (الأول) لسنة 2026م. تفاصيل…

6 أيام منذ