كتاب الرائ

باختلال التعليم الطبي يختل معنى الطب


ليس التعليم الطبي مجرد مسارات دراسية تمنح شهادات، ولا المستشفى التعليمي مجرد مبنى تُرفع عليه لافتة أكاديمية بل هو منظومة حضارية متكاملة تُقاس بها درجة احترام المجتمع للحياة الإنسانية. فالدول التي بنت نظمًا صحية متقدمة لم تبدأ بالأجهزة أو الأبنية وحدها بل بدأت بتأسيس تعليم طبي رصين قائم على مستشفيات جامعية حقيقية تمثل بيئة علمية وعلاجية وبحثية في آن واحد، حيث يلتقي العلاج بالتعليم والتدريب بالبحث، والخبرة السريرية بالإنتاج العلمي في منظومة متماسكة تصون صحة الإنسان وتطور المعرفة الطبية معًا. وفي الحالة الليبية تبدو المفارقة قاسية بلد غني بالإمكانات وقليل السكان نسبيًا ويمتلك موقعًا استراتيجيًا وموارد قادرة نظريًا على بناء واحد من أفضل الأنظمة الصحية والتعليمية في المنطقة، ومع ذلك يظل التعليم الطبي يعاني اختلالات عميقة تتجاوز نقص الإمكانات إلى غياب الرؤية والمعايير والحوكمة العلمية. فالأزمة هنا ليست أزمة مال بقدر ما هي أزمة تصور ومعنى، إذ توسعت المؤسسات الأكاديمية عدديًا دون أن يصاحب ذلك بناء حقيقي لبيئات تعليمية وتدريبية وبحثية مكتملة الشروط. إن أخطر ما يواجه التعليم الطبي ليس ضعف التمويل فحسب بل تضخم المؤسسات التعليمية دون مستشفيات جامعية تعليمية حقيقية تستوفي المعايير العالمية في البنية التحتية الصحية والتعليمية والتدريبية والبحثية. فالمستشفى الجامعي في التجارب الرائدة ليس مجرد مرفق علاجي، بل فضاء علمي متكامل يعتمد على تجهيزات طبية وتشخيصية متطورة، ومختبرات بحثية حديثة، وقاعات تدريس مجهزة، ومراكز محاكاة طبية تتيح تدريب الأطباء قبل الاحتكاك المباشر بالمرضى، بما يحفظ سلامة المريض ويرفع كفاءة الطبيب، إضافة إلى منظومات معلوماتية رقمية دقيقة توثق التدريب والبحث والمتابعة السريرية بصورة مستمرة. غير أن جوهر المستشفى الجامعي لا يكمن في الأجهزة وحدها بل في الهيكلية العلمية والوظيفية الدقيقة التي تنظم العمل داخله. فالمعايير العالمية تفرض تدرجًا أكاديميًا ومهنيًا واضحًا يبدأ من الأساتذة والاستشاريين المتفرغين مرورًا بالأساتذة المساعدين والمدرسين المساعدين وصولًا إلى الأطباء المقيمين، مع وجود حد أدنى كافي من الوظائف العلمية المتفرغة لكل قسم من الأقسام التي قد تتجاوز خمسين قسمًا في المستشفى الجامعي الواحد. هذا التدرج ليس وجاهة أكاديمية بل ضمانة حقيقية لجودة التدريب وسلامة القرار الطبي واستمرارية البحث العلمي. كما تخضع العلاقة بين عدد الأسرة وعدد الأطباء وأعضاء هيئة التدريس في النظم المتقدمة لمعادلات دقيقة تضمن جودة الرعاية وكفاءة التدريب معًا، فلا يتحول الطبيب المتدرب إلى مجرد عامل خدمات، ولا يصبح المريض مادة تدريب بلا ضوابط أخلاقية وعلمية. وتظل مسألة التفرغ العلمي من أهم شروط جودة التعليم الطبي، لأن الجمع غير المنظم بين الممارسة الخاصة والمهام الأكاديمية يضعف العملية التعليمية ويخلق تضارب مصالح ينعكس سلبًا على جودة التدريب والرعاية الصحية. أما آليات التقييم والمراجعة والتدقيق فهي العمود الفقري لأي منظومة تعليم طبي محترفة، وتشمل مراجعات دورية ومستمرة للسجلات الطبية، وتقييم الأداء المهني والعلمي والسلوكي، ومراجعات الأقران، ومتابعة نتائج المرضى، والاجتماعات العلمية المستمرة، وهي آليات هدفها التحسين المستمر وضمان سلامة المرضى وجودة التعليم ليس مجرد المحاسبة الشكلية. ولا يمكن فصل التعليم الطبي عن البحث العلمي الصحي، إذ تمثل المستشفيات الجامعية في الدول المتقدمة مراكز إنتاج معرفة طبية، وتُربط خطط البحث بالأولويات الصحية الوطنية، ويُوفر لها تمويل مستدام وبنية أخلاقية وتنظيمية صارمة، لأن البحث العلمي هو الضامن الحقيقي لتطور الممارسة الطبية واستقلال القرار الصحي. غير أن الحقيقة الأكثر قسوة في السياق الليبي تكمن في فراغ مؤسسي لا يمكن تجاهله أو تبريره إذ لا يوجد فعليًا مستشفى جامعي أو تعليمي واحدا مكتمل المعايير العلمية المعروف في القطاع العام، والخاص لا يملك اي مستشفى ، رغم تعدد كليات الطب واتساع الحاجة الصحية وتوفر الإمكانات المالية والبشرية التي كان يمكن أن تجعل البلاد نموذجًا إقليميًا في التعليم الطبي. وهذا الغياب لا يمثل مجرد خلل إداري بل يعكس اضطرابًا عميقًا في فهم وظيفة التعليم الطبي ذاته، حيث أصبح التدريب السريري في كثير من الأحيان ممارسة اضطرارية داخل مستشفيات خدمية مثقلة بالأعباء تعاني أصلًا نقص التجهيزات والكفاءات والاستقرار المؤسسي، ما يجعل الطبيب المتدرب يكتسب خبرته في بيئة مرتبكة بدل أن يتشكل داخل منظومة علمية منضبطة. ويزداد الأمر تعقيدًا مع ضعف الهرم الأكاديمي المتفرغ، وتراجع الإنتاج البحثي الطبي المنشور في المجلات العلمية المحكمة، وغياب الوظائف التعليمية والتدريبية التي تغطي التخصصات الدقيقة وفق المعايير الدولية، فينشأ تعليم طبي يزداد كما ويتراجع نوعًا، وتُمنح شهادات لا تسندها دائمًا بيئات تدريب كافية ولا منظومات تقييم صارمة، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى وثقة المجتمع بالمؤسسة الطبية. إن أخطر ما في هذا الواقع ليس فقط ضعف التعليم الطبي، بل تطبيع المجتمع معه، لأن الاعتياد على تعليم طبي غير مكتمل المعايير يعني القبول الضمني بطب أقل كفاءة، وبنظام صحي أكثر هشاشة، وبمستقبل مهني وعلمي لا يليق بإمكانات البلاد ولا بحق الإنسان في علاج آمن ومعرفة طبية رصينة. فالتعليم الطبي الرديء لا ينتج فقط أطباء أقل كفاءة بل ينتج نظامًا صحيًا أقل أمانًا، واقتصادًا صحيًا أكثر تكلفة، ومجتمعًا أكثر عرضة للأمراض والقلق وفقدان الثقة. وهنا يتحول الخلل من قضية أكاديمية إلى قضية حضارية تمس معنى الطب ذاته، لأن الطب في جوهره رسالة حماية للحياة قبل أن يكون مهنة أو نشاطًا اقتصاديًا. وفي النهاية تبقى الحقيقة الأعمق أن أي مجتمع يفرّط في جودة تعليم أطبائه إنما يفرّط بصورة أو بأخرى في حق أفراده في الحياة الكريمة والصحة الآمنة، وتلك خسارة لا تعوضها ميزانيات ولا تعالجها حملات إعلامية، لأ

منشور له صلة

فيروس الدنيا الفتّاك

د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…

5 أيام منذ

إعلان عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية

تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…

أسبوع واحد منذ

قراءة في كتاب: موقع المغرب في قلب معادلة الهجرة الإقليمية

للكاتب السنغالي مامادوموث بان   لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…

أسبوع واحد منذ

إنسانية الطب والصحة في زمن السوق

د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…

أسبوعين منذ

انطلاق الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة ..تحت شعار “الإنسان وقيم المستقبل”بمسرح مدرسة الصديقة

تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…

أسبوعين منذ

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

أسبوعين منذ