د.علي المبروك أبوقرين

الممارسة الطبية ليست وظيفة عادية ولا مهارة تقنية معزولة، ولا شهادة تُعلق على الجدار، وليست نجاح لحظي في امتحان عابر . الممارسة الطبية هي مزيج نادر ومعقد من القدرة والخبرة والتعليم الراسخ والتدريب المتواصل والمتابعة اللصيقة والتشبع العميق بالمعرفة، والتربية السلوكية المهنية والإنسانية المفرطة. وهي مسؤولية تُحمل على الكتف والعقل والضمير في آن واحد، لأن موضوعها ليس فكرة ولا منتج ، بل صحة الإنسان وحياته وكرامته . والطبيب الحقيقي لا يُصنع بالجرأة الخطِرة، ولا بالثقة الجوفاء ولا بالتكبر المرضي ولا بالاستعراض ولا بتجميع معلومات سطحية. يُصنع الطبيب بتراكم طويل من التعليم والتحصيل وباحتكاك يومي بالحالات، وبالتعلم من الخطأ، وبالخوف الإيجابي الذي يمنع الاستسهال، وبالحرص الذي يسبق القرار، وبالأمانة التي تضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار. فالثقة في الطب لا تُمنح بل تُكتسب، والسمعة لا تُشترى بل تُبنى عبر سنوات من الإتقان والانضباط والصدق. والعلوم الطبية ليست قشور معرفية، ولا مناهج مختصرة ملزمية، ولا دروس خصوصية تُجهّز لاجتياز امتحان. فالطب بحور معرفية متجددة، تتسع كل يوم بالبحوث والاكتشافات والتقنيات والتطور العلمي والرقمي والحياتي. ومن يتوقف عن التعلم في الطب، يبدأ فعليا في التراجع، حتى وإن لم يشعر بذلك. لذلك فإن التعليم الطبي لا ينتهي بالتخرج، بل يبدأ به والتدريب ليس مرحلة، بل مسار دائم ، والتطوير شرط بقاء مهني وأخلاقي ، ومع تطور الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والطب الخوارزمي، والتدخلات الروبوتية، لم يعد مقبول المنطق القديم الذي يطلب ببذل الجهد دون تحقيق نتائج مؤكدة قدر الإمكان. ولم يعد يكفي أن نقول حاولنا أو اجتهدنا، أو بذلنا ما نستطيع. في الطب الحديث الجهد يجب أن يكون مبني على معرفة ومسنود ببروتوكولات ومقاس بالمخرجات ومراجع ومدقق باستمرار . فالإنسان ليس حقل تجارب وصحة الناس لا تقبل المجازفة ، والخطأ غير المحسوب لم يعد قدر بل تقصير . وهذا المنطق لا ينطبق على الطبيب وحده بل على كل وظيفة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بصحة الإنسان من التعليم الطبي إلى التدريب السريري وإلى التمريض والمختبرات، والصيدلة، إلى الإدارة الصحية،  إلى السياسات الصحية. وأي خلل في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على المريض، ويدفع ثمنه إنسان لا علاقة له بسوء التخطيط أو ضعف المعايير . إن الممارسة الطبية السليمة تتطلب قدرات عالية في التواصل الإنساني مع المريض ومع أسرته ومع الفريق الصحي، ومع المجتمع. فالطب ليس أجهزة فقط، ولا أدوية فقط، بل ثقة وطمأنة وشرح ومشاركة في القرار، واحترام لقلق الإنسان وضعفه وخوفه. كما تتطلب قدرات في البحث والابتكار والانفتاح على التجديد، والاستباق العلمي والتقني، لا الاكتفاء بالتلقي المتأخر أو النقل الأعمى. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الطب هو تحويله إلى مهنة بلا روح، أو إلى سوق بلا ضمير، أو إلى سباق شهادات بلا مضمون. وأخطر ما يمكن أن يُمارس باسم الطب هو منح الصلاحيات لمن لا يمتلكون الكفاءة، أو التساهل في التدريب، أو التهاون في المعايير، أو التسويق للنجاح الشكلي على حساب الإتقان الحقيقي. فكل تساهل هنا قد يكون ثمنه حياة، وكل مجاملة قد تكون كارثة مؤجلة. الطب رسالة نعم لكنه قبل ذلك أمانة ثقيلة. أمانة علمية ومهنية وأخلاقية ووظيفية. ومن لا يملك الاستعداد لتحمل هذه الأمانة لا يكفيه الحلم ولا الطموح ولا اللقب. فالممارسة الطبية الحقة لا تُقاس بما يعرفه الطبيب فقط، بل بما يمتنع عن فعله، وبالحدود التي لا يتجاوزها، وبالخوف النبيل الذي يمنعه من العبث بصحة الناس. لهذا فإن بناء نظام صحي قوي يبدأ من هنا من احترام معنى الممارسة الطبية ومن حماية المهنة من التسطيح ومن صيانة التعليم والتدريب من العبث، ومن وضع الإنسان في مركز القرار وليس في هامش التجربة …

منشور له صلة

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

15 ساعة منذ

التأخر في التشخيص وفرص العلاج

د.علي المبروك أبوقرين التأخر في التشخيص لا يبدأ في المستشفى ولا في العيادة، بل يبدأ…

يوم واحد منذ

إعلان عن عقد اجتماع الجمعية العمومية لشركة البنية للاستثمار والخدمات

يسر مجلس إدارة شركة البنية للاستثمار والخدمات دعوتكم لحضور الاجتماع العادي (الأول) لسنة 2026م. تفاصيل…

4 أيام منذ

أخلاقيات النظم الصحية

د.علي المبروك أبوقرين أخلاقيات النظم الصحية لا تُقاس بجمال الشعارات ولا بعدد القوانين، بل بما…

6 أيام منذ

ليبيا والنكوص الصحي الخطير

د.علي المبروك أبوقرين عانت ليبيا لعقود طويلة قبل النفط وقبل قيام الدولة الحديثة، من أوضاع…

أسبوع واحد منذ

​إعلان دعوة لحضور اجتماع الجمعية العمومية العادي (الأول) لعام 2026

​تعلن شركة البنية للاستثمار والخدمات، التابعة للشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة، عن دعوة…

أسبوعين منذ