د.علي المبروك أبوقرين

 المسؤولية الطبية ليست  مجرد محاسبة عند الخطأ ، أو إجراء عند التقصير ، أو حُكمٍ في قضية طبية ، بل هي في جوهرها فلسفة حياةٍ تقوم على مبدأ أن الطب ليس مهنةً فحسب ، بل عهد إنساني لحماية الحياة وصون الكرامة ومنع الأذى ،

إنها التزامٌ معرفي وأخلاقيّ ومهني يسعى إلى منع الضرر وتجنب الإيذاء ، وإلى تجاوز المرض والأزمة الصحية نحو استعادة العافية والقدرة والحياة الأفضل ، انطلاقًا من المبدأ الأسمى في الطب وهو الحفاظ على الصحة وتحسينها لا انتظار فقدانها ، والمسؤولية الطبية بهذا المفهوم لا تُختزل في الخطأ الطبي أو سوء الممارسة أو الإهمال أو قلة الخبرة ، بل تمتد لتشمل كل ما يؤدي إلى الإضرار بالمريض أو حرمانه من حقه في الرعاية الآمنة والكريمة . فهي مسؤولية تبدأ قبل الفعل الطبي وتستمر بعده ، وتشمل المعرفة والنية والتنفيذ والمتابعة والتوثيق والتقييم والمراجعة والرقابة ، وهي مسؤولية المعرفة كما هي مسؤولية الضمير ، ومسؤولية القدرة كما هي مسؤولية الرحمة ، إن المسؤولية الطبية بهذا المعنى الواسع هي ركيزة النظام الصحي المتكامل ، وضمانة الحياة الآمنة ، وميزان العدالة بين الإنسان والإنسان ، وهي التي تجعل الطبيب والعامل في القطاع الصحي جزءًا من ضمير المجتمع لا مجرد موظف في مؤسسته ، إن المسؤولية الطبية ليست إجراءً قانوني فحسب ، بل منظومة أخلاقية ومؤسسية شاملة تحفظ كرامة الإنسان ، وتضمن سلامته ، وتحقق العدالة بين المريض والطبيب والمجتمع  وهي تبدأ من التعليم والتأهيل ولا تنتهي عند حدود العلاج ، بل تمتد لتشمل كل الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية والتأهيلية على السواء ، فالمسؤولية الطبية تشمل الصحة الوقائية والرعاية الأولية ، والصحة المدرسية ، وخدمات الإسعاف والطوارئ والإنقاذ والإخلاء الطبي ، كما تمتد لتشمل المعامل والمختبرات  والصيدليات ، ومراكز التشخيص والعلاج الطبيعي والتأهيل ، وخدمات الأسنان والتجميل وكل الأنشطة الطبية والصحية بالعام والخاص دون استثناء ، فهي مسؤولية عن النظام بأكمله ، وتشمل أيضًا كل ما يتعلق بالكشف المبكر ، والإحالة الطبية ، وقوائم الانتظار ، وتأخر تقديم الخدمات العلاجية ، ونقص الأدوية أو انقطاعها وتعطل الأجهزة الطبية ، بل وتمتد إلى مكافحة استخدام الأدوية والمستلزمات المغشوشة أو المزورة أو المهربة ، والمعدات الطبية المستعملة أو الغير معايرة أو الغير مطابقة للشروط والمعايير الفنية ، فكل ذلك يدخل في صميم المسؤولية الطبية ويؤثر مباشرة على سلامة المرضى وجودة الرعاية ، ولا تتحقق هذه المسؤولية إلا بوجود كوادر مؤهلة من جامعات ومعاهد عليا معترف بها دوليًا واجتازوا برامج التدريب السريري في مستشفيات جامعية وتعليمية معتمدة ، واكتسبوا الخبرة وفق المعايير الدولية ، وحصلوا على امتيازات الممارسة ( Privileges ) بعد استيفاء الشروط المهنية والأخلاقية ، كما يُشترط أن يُظهر كل من يتعامل مع المرضى اسمه الكامل وصفته وتخصصه بشكل واضح ، التزامًا بمبدأ الشفافية والمساءلة ، وأن يُوثق كل إجراء أو تدخل أو متابعة في السجلات الطبية الرسمية والإلكترونية بدقة ومسؤولية ، وتستند المسؤولية الطبية كذلك إلى الأدلة الإرشادية والبروتوكولات والمعايير الوطنية والعالمية التي تشمل مكافحة العدوى وسلامة المرضى ، وإلى تقارير الزملاء ورؤساء الأقسام وكبار الأطباء ، وعمل اللجان المتخصصة في المضاعفات والوفيات ، والإدخال وإعادة الإدخال ، ومدد الإقامة ، ولجان السلامة والتخلص من النفايات الطبية ، وغيرها من اللجان التي تُشكّل وفق السياقات الفنية والقانونية ومعايير الكفاءة والخبرة ، وتعمل جميعها تحت مظلة الحوكمة والشفافية ، وإن نشر نتائج هذه اللجان ومراجعاتها بشكل دوري وإحالتها إلى الجهات المعنية ركيزة أساسية للمساءلة والتحسين المستمر ، كما إن  التشريعات والقوانين الصارمة للمسؤولية الطبية تمثل غطاءً قانونيًا يضمن حماية المريض والطبيب والمؤسسة الصحية ، ويكفل العدالة والتعويض المنصف عند وقوع الضرر ، إلا أن الهدف الأسمى ليس العقاب ولا الجباية التأمينية ، بل الحماية والوقاية والنجاة وتجنب الضرر قبل وقوعه ، وصون حياة الإنسان وكرامته ، وفي عصر الرقمنة والتطور التقني والتكنولوجي الطبي الحديث لم يعد المطلوب هو بذل أقصى الجهد كما كان في العقود الماضية ، بل أصبح المطلوب تحقيق النتائج والمخرجات المضمونة سلفًا عبر الالتزام الدقيق بالمعايير ، وضبط الجودة ، وتكامل الأدوار ، ومتابعة الأداء بشفافية ومهنية ، وفي ضوء كل ما سبق فإن المسؤولية الطبية الحقيقية لا تقوم إلا بتطبيق كل هذه المقومات العلمية والقانونية والإنسانية والمؤسستية ، إذا لم يُطبَّق كل ما جاء في هذه الورقة  بل وأكثر منها ويزيد عنها ، فلا معنى للمسؤولية الطبية ، لأنها تفقد روحها ومعناها ، وتتحول من قيمة إنسانية عليا إلى نص جامد لا يحقق عدل ولا يمنع جريمة ولا يضمن حق ولا يصون كرامة ، ويصبح التأمين الطبي درعا زائفا يغري بالتهور والجرأة الضارة ، ويضعف الرقابة والتدقيق ، وبدل أن يضمن الأمان  يكرس الظلم والخطر الممنهج ، ويتحول الإنسان إلى رقم في ميزانية تأمينية داخل منظومة تدير الأرقام وليس الأرواح ، وتغلق الملفات بأسم التسوية ، وتقدر التعويضات كأنها صدقة وليست حقا ، وتختزل الحياة الإنسانية في بند مالي . ..

منشور له صلة

فيروس الدنيا الفتّاك

د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…

يومين منذ

إعلان عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية

تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…

4 أيام منذ

قراءة في كتاب: موقع المغرب في قلب معادلة الهجرة الإقليمية

للكاتب السنغالي مامادوموث بان   لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…

7 أيام منذ

إنسانية الطب والصحة في زمن السوق

د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…

أسبوع واحد منذ

انطلاق الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة ..تحت شعار “الإنسان وقيم المستقبل”بمسرح مدرسة الصديقة

تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…

أسبوع واحد منذ

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

أسبوع واحد منذ