في عالم تتسارع فيه الخطى نحو التقدم والتقنية والعلم ، لا تزال الصحة هي المرآة الحقيقية التي تعكس مدى حضارة الأمم وعدالة نظمها وإنسانية سياساتها ، فالصحة ليست أرقاما على جداول ، ولا مؤشرات تُعرض في تقارير ، بل منظومة حية تنبض في قلب المجتمع ، يقوم عليها الإنسان من أجل الإنسان ، وتزدهر بالعلم والإدارة والكفاءة والضمير ، تتفاوت النظم الصحية في العالم تفاوتا بيّنا ، بين دول جعلت من الإنسان غايتها ، فشيدت له صروح الطب والعافية والتعليم والبحث ، وأخرى تركت شعوبها في دوامة الحاجة والمعاناة والفوضى والارتجال ، ففي الدول المتقدمة ، لكل ألف نسمة ما يكفيهم من أطباء ، ولكل طبيب فريق متكامل من أخصائيين وتمريض وفنيين ومهندسين ومساعدين ، ولهم بنى تحتية متوازنة تضمن العدالة في الوصول للخدمات من المستوصف إلى المستشفى الجامعي ، ومن الرعاية الأولية إلى العناية الفائقة ، أما في الدول التي لم تبلغ بعد نضج النظم الصحية ، فالفجوة صارخة بين الأعداد والحاجات ، وبين الطموح والإمكانات ، وهناك مناطق يندر فيها الطبيب ، وأخرى يغيب عنها المختبر ، ومستشفيات تعاني نقصا في الأسرة أو الأدوية أو الكفاءات ، ومع كل نقص عددي أو نوعي ، تنخفض مؤشرات العمر المتوقع ، وتزداد معدلات الوفيات ، ويتأثر الأطفال وكبار السن والفقراء على وجه الخصوص ، إن جوهر المسألة ليس فقط في عدد الأطباء أو حجم الأجهزة ، بل في نوع التعليم الطبي ، وعمق التدريب ، ومتانة الخبرة ، ونزاهة المهنة ، واستمرارية التطوير فكم من نظام صحي يمتلك المستشفيات والمباني ولا يمتلك العقول المؤهلة والضمائر الحية إن بناء النظام الصحي الحديث لا يتحقق إلا بربط الكم بالكيف ، والعدد بالمعرفة ، والآلة بالعقل ، والخدمة بالقيمة ، فالنسب الصحية المثلى ( من طبيب لكل ألف نسمة ، وممرض لكل طبيب ، وسرير لكل عدد محدد من السكان ) ليست مجرد معادلات إحصائية ، بل هي ترجمة لمستوى التخطيط العلمي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة. كما أن الصحة النفسية والعقلية والاجتماعية جزء لا يتجزأ من هذا الكيان ، تماما كما أن صحة البيئة والتغذية والتعليم الطبي المستمر عناصر مكملة له ، وحين تكون الصحة الواحدة هي الفلسفة التي تجمع الإنسان والطبيعة والحيوان في توازن بيئي ومعرفي وأخلاقي ، تصبح النظم الصحية شاملة ومستدامة ، تحقق الأمن الصحي والعدالة الاجتماعية ، وتمنح الشعوب فرصة العيش الكريم بجودة حياة عالية ما طال العمرٍ ، إن الطريق إلى نظام صحي قوي لا يُقاس فقط بالمباني والموازنات ، بل بالكفاءات والضمائر والسياسات الرشيدة ، فالأعداد وحدها لا تشفي ، إن لم تصحبها كفاءة ، والموارد لا تُثمر ، إن غابت عنها العدالة ، ولذلك فإن كل أمة تسعى إلى الازدهار يجب أن تستثمر في العلم والتعليم الطبي الراقي ، والتدريب العالي المستمر ، وتحفيز الكفاءات ، وضمان التوزيع العادل للخدمات ، فالصحة ليست ترفا ، بل أمن وطني وحق إنساني ، والدولة التي تهمل مؤشرات صحة شعبها ، إنما تضعف نفسها من الداخل ، وما من استثمار أعظم ولا مردود أنفع من الاستثمار في الإنسان الصحيح المتعلم الواعي ، فهو الثروة الحقيقية ، وهو الحصن المنيع ضد المرض والجهل والانهيار ..
د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…
تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…
للكاتب السنغالي مامادوموث بان لم يختر الصحافي والباحث السنغالي "مامادوموث بان" المغرب كحالة دراسة…
د.علي المبروك أبوقرين لم يكن الطب في جوهره يومًا مهنة محايدة، ولا ممارسة تقنية باردة…
تُنطلق فعاليات الدورة الثانية للملتقى الأول للفلسفة يوم السبت 31. يناير .2026م تحت عنوان "الإنسان…
شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…