كتاب الرائ

الطب رسالة والمريض كرامة والحكيم ضمير

د.علي المبروك أبوقرين

الطبيب في جوهر رسالته حكيم وليس تاجر، والمريض إنسان ذو كرامة وليس مادة اختبار ولا جسدًا مباحًا للتجريب. والعلاقة التي نشأت عبر تاريخ الطب بين الطبيب والمريض لم تكن يومًا علاقة سوق أو مقايضة بل علاقة ثقة وأمان وإنسانية، قوامها العلم والضمير والمسؤولية. والحكيم لا يُصنع في يوم ولا يتشكل في دورة عابرة بل هو ثمرة سنوات طويلة من التعليم الصارم والتكوين العميق والتدريب المتواصل، ومسيرة معرفية تمتد عبر العلوم والطب والفلسفة وفهم الإنسان. إن الطبيب الحقيقي لا يتعلم فقط كيف يشخص المرض بل كيف ينصت ويتفاعل ويطمئن ويحتضن قلق المريض قبل أن يصف له العلاج. فالمريض ليس ملفًا طبيًا ولا صورة أشعة ولا رقم سريري إنه إنسان يحمل مشاعر وقلقًا وكبرياءً وكرامة وعزة نفس. ولهذا فإن كرامة المريض هي الأساس الذي تقوم عليه المنظومة العلاجية كلها. فالمريض ليس طرفًا ثانويًا في المسار الطبي بل هو العنصر المركزي فيه. ولا يجوز اتخاذ أي قرار طبي يتعلق بصحته أو حياته إلا بعلمه وموافقته الكاملة. فحق المعرفة والموافقة ليس مجاملة أخلاقية بل مبدأ قانوني وإنساني راسخ في كل الأنظمة الطبية المحترمة في العالم. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الطب هو أن يتحول المريض إلى حقل تجارب أو مادة تدريب بلا ضوابط. فالطب علم صارم تحكمه قوانين المهنة وأخلاقياتها الصارمة. ولا يجوز تحت أي ذريعة تعليمية أو تدريبية، أن يقوم بأي إجراء طبي شخص غير مكتمل التأهيل أو غير مجاز قانونيًا ومهنيًا. فصحة الإنسان وحياته ليستا مساحة للتجريب العشوائي ولا ساحة للتعلم غير المنظم. إن المستشفيات الجامعية والتعليمية الحقيقية التابعة لكليات الطب المعترف بها، تمتلك منظومات تدريبية دقيقة وبرامج واضحة وبروتوكولات تعليمية صارمة، وإشرافًا مباشرًا من أساتذة واستشاريين مسؤولين قانونيًا ومهنيًا. والمتدرب في هذه المؤسسات لا يُسمح له بالقيام بأي إجراء على مريض إلا بعد اجتياز مراحل التأهيل والتقييم القانوني والفني، وتحت إشراف مباشر ومسؤولية واضحة من الأستاذ المشرف ورئيس القسم. فجميعهم يخضعون لقوانين العمل والتفرغ، ويعملون ضمن منظومة تعليمية وصحية معترف بها. ولذلك فإن العالم الطبي المتقدم لم يترك التدريب الطبي رهين جسد المريض. فقد طورت الجامعات والمراكز الطبية مراكز محاكاة متقدمة ونماذج تدريب تحاكي جسم الإنسان بدقة، يتدرب عليها الطلاب والأطباء الجدد قبل أن يقتربوا من المريض الحقيقي. فالتعليم الطبي الحديث يعرف جيدًا أن المريض ليس وسيلة تعليم بل غاية حماية. ولهذا فإن أي محاولة لتحويل المستشفيات إلى مختبرات مفتوحة للتجريب أو التدريب غير المنظم تمثل انتهاكًا خطيرًا للطب وقيمه. والأسوأ من ذلك هو أن تُفتح أبواب المستشفيات العامة أو الجامعية لجهات تعليمية أو تدريبية لا تمتلك مستشفيات جامعية خاصة بها، فتتحول المؤسسات الصحية إلى ساحات تدريب عشوائي، ويصبح المرضى أجسادًا يتعلم عليها من لا يملك الشرعية الأكاديمية أو المهنية الكاملة. إن مثل هذه الممارسات لا تمثل فقط خللًا إداريًا بل هي تجاوز قانوني وأخلاقي جسيم، يصل في بعض الحالات إلى مستوى الجريمة المهنية. فالطب ليس نشاطًا تجاريًا يمكن تأجيره أو تفويضه لمن يدفع أو يطلب، والمستشفيات ليست قاعات تدريب للإيجار، وصحة الإنسان ليست سلعة قابلة للمساومة. إن كرامة الإنسان وصحة الفرد وحياته ليست مجالًا للتجريب ولا الاستثمار العشوائي. فالمريض الذي يدخل المستشفى يدخلها باحثًا عن الأمان والشفاء، لا ليجد نفسه موضوعًا لتجارب أو تدريبات غير منضبطة. إن حماية المريض ليست مسؤولية الطبيب وحده بل مسؤولية الدولة والقانون والمؤسسات الصحية والتعليمية والمجتمع كله. فحين تُمس كرامة المريض يُمس جوهر الطب نفسه. ولهذا يجب أن يبقى المبدأ واضحًا لا يقبل التأويل المريض إنسان له كرامة، وليس حقل تجارب. والطبيب حكيم يحمل رسالة وليس تاجر مهارات. وكل منظومة صحية تسمح بتحويل الإنسان إلى مادة تدريب أو اختبار، إنما تفقد في تلك اللحظة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد مهنيتها. ولهذا التعليم الطبي والتدريب السريري والبحث العلمي الطبي يحتاج لكليات متطابقة بالكامل مع المعايير والمواصفات والشروط وغير منقوصة في المباني المصممة لها والتجهيزات والمناهج والبرامج والاعتماد الدولي ،وأعضاء التدريس لجميع التخصصات والدرجات العلمية والمهنية مع شرط التفرغ التام للكلية المعنية فقط، وأن تكون لكل كلية المستشفى الجامعي التعليمي الخاص بها تملكا وإدارة وتشغيل بجميع التخصصات الطبية ولا ينقص منها تخصص واحد مع مركز المحاكاة المتكامل، وهذه المتطلبات الأساسية إن غاب منهم واحد بطل التعليم الطبي نهائيا عاماً أو خاصاً.

منشور له صلة

جاهزية النظم الصحية في عصر الأزمات المركبة

لم تعد النظم الصحية في العالم تواجه تحديًا واحدًا يمكن التعامل معه بإجراءات تقليدية أو…

يومين منذ

السوق الصحي والمعايير والازدواجية الشكلية *

حين يتحول المجال الصحي إلى سوق يتحرك بلا معايير صارمة، وحين تتجاور فيه لافتات العام…

أسبوع واحد منذ

الصحة في زمن الحروب المتوسعة

الصحة في زمن الحروب المتوسعة لم تعد الحروب المعاصرة معارك محدودة في الجغرافيا أو الزمن…

أسبوعين منذ

المفهوم الفلسفي الإنساني للصحة

الصحة ليست مرفقًا إداريًا ولا بندًا ماليًا في ميزانية عامة ولا خدمة يمكن إخضاعها لمنطق…

3 أسابيع منذ

الصحة ليست مجالًا للتجريب

الخدمات الصحية والتعليم الطبي والتدريب السريري، ليست قطاعات متجاورة فحسب بل منظومة واحدة متشابكة تتقاطع…

4 أسابيع منذ

باختلال التعليم الطبي يختل معنى الطب

ليس التعليم الطبي مجرد مسارات دراسية تمنح شهادات، ولا المستشفى التعليمي مجرد مبنى تُرفع عليه…

شهر واحد منذ