في ليبيا لا يمكن فصل سؤال الصحة عن سؤال المكان ، ولا يمكن الحديث عن العدالة الصحية دون مواجهة الجغرافيا بصراحة . فبلد شاسع المساحة وقليل الكثافة السكانية وغني بالموارد لكنه شديد التفاوت في توزيع الخدمات ، يقدم نموذج واضح لما يعنيه أن تكون الصحة قضية مكان قبل أن تكون قضية علاج ، ليبيا ليست دولة فقيرة وليست عاجزة عن بناء نظام صحي عادل ، لكنها عانت طويلا من مركزية خانقة وتخطيط صحي غير متوازن ، حول الجغرافيا من فرصة إلى عبء ومن عامل قوة إلى مصدر تهميش صحي واجتماعي ، تتركز الخدمات الصحية المتقدمة في مدن محدودة بينما تعيش مناطق واسعة من الجنوب والواحات والمناطق الريفية على هامش التغطية الصحية الفعلية . ويصبح الوصول إلى الطبيب رحلة ، والوصول إلى المستشفى مخاطرة ، والوصول إلى العلاج المتخصص معاناة إنسانية واقتصادية ، وهنا لا يكون المرض وحده المشكلة بل المكان الذي يعيش فيه المريض . هذا التفاوت المكاني لا ينتج فقط تفاوت صحي بل يعيد إنتاج الهجرة الداخلية والفقر وضعف الثقة في الدولة واللجوء إلى حلول فردية أو خارجية مكلفة ، إن الصحة المكانية في ليبيا ليست ترف فكري بل ضرورة وطنية ملحة . وهي تعني إعادة تصميم النظام الصحي وفق التوزيع السكاني الحقيقي والخصائص الوبائية لكل إقليم والمسافات وطرق المواصلات والقدرة على الوصول وليس مجرد وجود المنشأة ، ليبيا تحتاج إلى شبكات رعاية صحية أولية قوية موزعة بعدل ، ومستشفيات إقليمية حقيقية ، ومنظومة إحالة فعالة تربط الأطراف بالمراكز وتوزيع عادل للقوى العاملة الصحية ، إن التغطية الصحية الشاملة في ليبيا لا تُقاس بعدد المستشفيات التي بُنيت ، بل بعدد المواطنين الذين يصلون فعليا إلى الخدمة الجيدة ، وفي الوقت المناسب دون إذلال أو استنزاف . والعدالة الصحية هنا تعني ألا يضطر مريض في سبها أو غات أو الكفرة إلى السفر مئات الكيلومترات وألا يكون مكان الإقامة عامل حاسم في فرص النجاة ، وألا تتحول الجغرافيا إلى حكم مسبق على صحة الإنسان ، وبفضل مساحتها الواسعة وكثافتها السكانية المحدودة نسبيا تمتلك ليبيا فرصة فريدة لتوظيف خدمات التطبيب عن بعد والسجلات الصحية الرقمية والذكاء الاصطناعي في التصنيف والتشخيص الأولي ، والتحليل الجغرافي للبيانات الصحية ، ليس كبديل عن الخدمات بل كجسر يربط الأطراف بالمراكز ويعزز الرعاية الأولية ويقلل الإحالات غير الضرورية ويعيد التوازن المكاني للنظام الصحي . ولكن نجاح ذلك مشروط بسياسات عادلة تمنع تحول التقنية إلى امتياز جديد محصور في المدن الكبرى ، وفي ليبيا تتداخل التحديات الصحية مع البطالة وضعف التعليم وتدهور البيئة والهشاشة الاجتماعية ، ولا يمكن فصل الصحة عن التنمية الاجتماعية ، فكل استثمار في الرعاية الصحية الأولية والوقاية والتوعية الصحية وتحسين البيئات المعيشية ، هو استثمار في الاستقرار ، وفي إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ، وفي تحويل الثروة إلى رفاه حقيقي . الصحة المكانية كخيار تنموي في ليبيا تتطلب إرادة سياسية واضحة وقاعدة بيانات صحية وجغرافية دقيقة ، وتكامل بين قطاعات الصحة والتخطيط والحكم المحلي ومشاركة مجتمعية حقيقية ، فالصحة لا تُفرض من المركز فقط بل تُصمم مع الناس في أماكنهم ووفق واقعهم . ليبيا لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات الصحية بل إلى إعادة توزيع العدالة على الخريطة ، فالمرض قد لا يكون قابلا دائما للمنع لكن التهميش الصحي قابل للإصلاح ، وفي الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين تملك ليبيا فرصة حقيقية لأن تجعل من الصحة المكانية مدخل لإعادة بناء الدولة وترجمة الثروة إلى كرامة ، والجغرافيا من عبء إلى حاضنة تنموية ..
منذ تشكلت الدولة الليبية الحديثة ومنذ تدفق النفط وفتح أمام البلاد أفق غير مسبوق من…
د.علي المبروك أبوقرين . المعرفة ليست تلقين ولا تجميع للمعلومات ولا حفظ آلي بل هي…
تتقاسم الدول العربية جغرافية واسعة متصلة في قلب العالم تربط القارات وتجاور الحضارات ، وتتقاسم…
د.علي المبروك أبوقرين ما تعيشه ليبيا اليوم لا يمكن قراءته بوصفه تراكم أزمات صحية عابرة…
د.علي المبروك أبوقرين في الرابع والعشرين من ديسمبر عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين خرجت ليبيا…
التاريخ: 22 ديسمبر 2025/ الأكاديمية الليبية – جنزور للدراسات العليا نظمت الأكاديمية الليبية – جنزور…