حين يتحول المجال الصحي إلى سوق يتحرك بلا معايير صارمة، وحين تتجاور فيه لافتات العام والخاص دون أن يفصل بينهما إطار أكاديمي حاكم، فإننا لا نكون أمام تنوعٍ مؤسسي صحي بل أمام ازدواجية شكلية توهم بالحيوية بينما تخفي في عمقها غياب السيادة. فالسوق بطبيعته يبحث عن الربح والانتشار والطلب، أما الصحة فهي حق وجودي لا يحتمل المجازفة ولا التجريب العشوائي لأنها تمس حياة الإنسان في لحظة هشاشته القصوى. السوق الصحي بلا معايير لا يُقاس بعدد المباني ولا بتعدد الأسماء بل بقدرته على الالتزام ببروتوكولات علمية واضحة، واعتمادات أكاديمية حقيقية، ومساءلة مستقلة لا تخضع للنفوذ ولا للمصالح. فإذا غابت هذه الضوابط تحولت المنافسة إلى سباق في الشكل لا في الجوهر، وفي الإعلان لا في الجودة، وفي السرعة لا في العمق. عندها يصبح الطبيب موزعًا بين موقعين، والمريض ممولًا مرتين، والدولة حاضرة بالاسم غائبة بالفعل.
أما الازدواجية الشكلية فهي أن يُقال إن هناك قطاعًا عامًا وقطاعًا خاصًا، بينما الواقع أن كليهما يعتمد على المصدر ذاته من الكوادر والتمويل والبنية المعرفية. في الدولة الريعية، حيث المورد العام هو الأساس لا يمكن للخاص أن يكون مستقلًا استقلالًا حقيقيًا إن لم يملك بنيته الأكاديمية والتدريبية والبحثية الخاصة، وإن لم يتحمل تكلفة تكوين كوادره وفق معايير تضاهي المعايير العالمية. وإلا فإنه يظل امتدادًا هشًا للعام، يعيش على قوته دون أن يعززها، ويستفيد من مرضاه دون أن يضيف إلى بنيته العلمية. والتجارب التي بنت أنظمة صحية مستقرة لم تبدأ بالسوق بل بالجامعة والمستشفى الجامعي. في ألمانيا تشكلت قوة النظام من عمق الجامعات البحثية والمراكز التعليمية المرتبطة بها وليس من تعدد العيادات الخاصة. وفي المملكة المتحدة ظل الإطار العام الذي تقوده الجامعات والمستشفيات التعليمية تحت مظلة NHS هو الضامن لوحدة المعايير. وحتى في الولايات المتحدة، حيث الحضور القوي للقطاع الخاص، فإن التميز الطبي ارتبط بجامعات ومراكز أكاديمية راسخة تُنتج المعرفة قبل أن تُنتج الخدمة. المشكلة ليست في وجود سوق صحي بل في غياب السقف الذي يضبطه. فالسوق يمكن أن يكون شريكًا في التوسعة والابتكار إذا تحرك داخل إطار وطني مرجعي، لكنه يتحول إلى عامل تفكيك حين يعمل بلا اعتماد صارم ولا رقابة علمية مستقلة ولا اشتراطات ملزمة للتعليم والتدريب والتخصص. وعندها تتضخم الشهادات، ويتسارع التخصص الشكلي، ويضعف البحث العلمي، ويتحول النظام الصحي إلى مجموعة مبادرات منفصلة لا إلى منظومة متكاملة. والسيادة الصحية لا تتحقق بكثرة المستثمرين ولا بارتفاع الفواتير بل بامتلاك الدولة لمرجعيتها الأكاديمية المستقلة، القادرة على وضع المعايير وتقييمها ومنع تجاوزها. السيادة تعني أن تكون هناك جهة علمية عليا لا تُساوم على شروط القبول، ولا تمنح الاعتماد دون مستشفى جامعي حقيقي، ولا تقبل برنامجًا تدريبيًا دون هيئة تدريس متفرغة كاملة، ولا تُجيز تخصصًا بلا بيئة سريرية مؤهلة. عندها فقط يمكن أن يعمل العام والخاص في تكامل، لا في تنازع مستتر. سوق صحي بلا معايير ينتج حركةً بلا اتجاه. وازدواجية شكلية بلا سيادة تنتج صورةً بلا مضمون. أما الدولة التي تريد أن تحمي صحة مجتمعها، فلا بد أن تبدأ من بناء عمودها الفقري الأكاديمي الصحي، لأن كل إصلاح خارج هذا الإطار سيظل ترقيعًا مؤقتًا، وكل ازدهار بلا مرجعية سيبقى هشًا أمام أول أزمة. فالسؤال ليس كم لدينا من مؤسسات بل أي معايير تحكمها. وليس هل لدينا عام وخاص بل هل لدينا سيادة علمية تضبطهما. حيث توجد المعايير توجد الثقة، وحيث توجد الثقة يستقيم النظام، وحيث يستقيم النظام تتحول الصحة من سوقٍ مضطرب إلى قيمةٍ وطنية مصونة. وهل ليبيا الدولة الريعية بوضعها الاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي في حاجة إلى هذا السوق والازدواجية والانهيار ؟؟..
د.علي المبروك أبوقرين
الصحة في زمن الحروب المتوسعة لم تعد الحروب المعاصرة معارك محدودة في الجغرافيا أو الزمن…
الصحة ليست مرفقًا إداريًا ولا بندًا ماليًا في ميزانية عامة ولا خدمة يمكن إخضاعها لمنطق…
الخدمات الصحية والتعليم الطبي والتدريب السريري، ليست قطاعات متجاورة فحسب بل منظومة واحدة متشابكة تتقاطع…
ليس التعليم الطبي مجرد مسارات دراسية تمنح شهادات، ولا المستشفى التعليمي مجرد مبنى تُرفع عليه…
د.علي المبروك أبوقرين ليس أخطر ما واجهته البشرية في تاريخها الأوبئة البيولوجية، مهما بلغت فتكها.…
تعلن شركة الاستثمار الوطني القابضة عن طرح مناقصة عامة بشأن توريد وتركيب شاشات عرض إعلانية…