التأخر في التشخيص لا يبدأ في المستشفى ولا في العيادة، بل يبدأ منذ اللحظة الأولى لظهور العلامات، حسية كانت أو ظاهرية، حين تُؤخذ باستخفاف وتُفسر على أنها عارض عابر أو تعب مؤقت أو أمر بسيط سيزول، ويجد هذا السلوك بيئة خصبة في غياب التوعية الصحية المجتمعية وضعف الثقافة الصحية وانعدام الإحساس بأهمية الفحص المبكر، فيلجأ كثيرون إلى أدوية صيدلية المنزل أو شراء أدوية من صيدليات خارجية بلا وصفة أو إلى علاجات عشبية وشعبية، ويترددون في زيارة الأطباء والمختصين ليس جهلًا فقط بل فقدانًا للثقة في منظومة صحية لا تمنح الطمأنينة ولا تقدم مسارًا واضحًا ولا تضمن عدالة الوصول ولا جودة الخدمة وهكذا يصل معظم المرضى إلى لحظة التشخيص متأخرين إما تأخرًا لا يزال مقبولًا نسبيًا يمكن فيه التدارك والتعامل مع المرض أو تأخرًا شديدًا تكون فيه الفرص ضعيفة والعلاجات معقدة والنتائج غير مضمونة والتكلفة النفسية والمالية مدمرة وليس هذا التأخر قدرًا محتومًا بل نتيجة طبيعية لانهيار منظومة صحية كاملة تبدأ من غياب الوقاية وتنتهي عند عجز العلاج فلا وجود لمسوح صحية وطنية منتظمة تكشف مبكرًا أنماط الأمراض وانتشارها ولا توجد سجلات صحية متكاملة تحفظ التاريخ الصحي للمواطن وتضمن استمرارية الرعاية ولا يوجد نظام إحالة واضح يربط الرعاية الصحية الأولية بالثانوية والتخصصية ولا توجد حلقة مغلقة تتابع المريض من أول اتصال بالنظام الصحي إلى اكتمال التشخيص والعلاج والمتابعة ومع غياب الرعاية الصحية الأولية كحجر أساس لأي نظام صحي ناجح تصبح الأعراض المبكرة بلا عنوان ويصبح المريض تائهًا بين مسارات متقطعة لا تقود إلا إلى التأخير ويتعمق الخلل أكثر مع ضعف القطاع العام العلاجي والاستشفائي إلى حد العجز مقابل تضخم قطاع خاص يعمل في فراغ تشريعي ورقابي خطير حيث تُسلع الصحة ويُدار المرض كفرصة ربح وليس كمسؤولية إنسانية ويتفاقم المشهد مع الجمع غير المنضبط بين العمل العام والخاص وتضارب المصالح وضعف الحوكمة والمساءلة والشفافية وفي هذا السياق يصبح الإعلان والتأثير الدعائي أقوى من الحاجة الطبية وتصبح القدرة المالية هي المحدد الأساسي لمسار العلاج ومن أخطر مظاهر هذا الانفلات أن الدولة للأسف لا تحتكر الإمداد الدوائي وهو عيب جسيم فتح الباب لسوق دواء مفتوح تحكمه أخلاق السوق غير المنضبط وغير القانوني في كثير من الأحيان فتدخل الأدوية من مصادر متعددة وتتفاوت جودتها ومصداقيتها وسلامتها ويُتلاعب ببعضها في التخزين أو التعبئة أو تاريخ الصلاحية وتُباع حياة الناس في سوق لا تحكمه رقابة صارمة ولا معايير وطنية حازمة ليصبح الدواء الذي يفترض أن يكون أداة إنقاذ أحد عناصر الخطر وفي ظل هذا الواقع يتدنى التعليم الطبي ويضعف التدريب السريري وتتحول كليات الطب إلى مؤسسات بلا مستشفيات تعليمية حقيقية ويزدهر تعليم طبي خاص فاقد للأسس والمعايير فتُنتج كوادر غير مهيأة تُلقى في مواجهة المرض بلا تأهيل كافٍ ولا جاهزية مهنية ويصبح الخطأ الطبي والتأخر في التشخيص نتيجة متوقعة لا استثناء ولا أظن أن هناك بلدًا غنيًا قليل السكان يملك من الموارد ما يملك ويقبل بأن يعيش نظامه الصحي بهذه الصورة القاسية ففي هذا الواقع لم تعد الصحة حقًا بل امتيازًا لمن يملك المال أو النفوذ أو القدرة على اختراق المسارات المغلقة أما السواد الأعظم من المواطنين فهم أمام خيارين كلاهما مُر إما حائط مسدود أو منزلق خطير نحو فقر أشد ومرض أفتك وهذا ليس خللًا طبيًا فحسب بل فشل أخلاقي وإداري وسياسي ولا يمكن إنصاف المرضى بالعلاج المتأخر وحده بل ببناء منظومة متكاملة تبدأ بالتوعية الصحية المجتمعية والوقاية والرعاية الصحية الأولية وتستند إلى مسوح صحية وسجلات متكاملة ونظام إحالة فعّال وتُضبط بتعليم طبي راسخ وتدريب سريري حقيقي وتحكمها حوكمة ورقابة ومساءلة وشفافية ويُفصل فيها بوضوح بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة وإلا سيبقى المرض تجارة وسيبقى التأخر في التشخيص حكمًا مسبقًا على المرضى وسيبقى السؤال معلقًا في وجه الجميع إلى متى يُدار المرض بالفوضى وإلى متى يُترك المجتمع يدفع الثمن في صحته ..
شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…
يسر مجلس إدارة شركة البنية للاستثمار والخدمات دعوتكم لحضور الاجتماع العادي (الأول) لسنة 2026م. تفاصيل…
د.علي المبروك أبوقرين أخلاقيات النظم الصحية لا تُقاس بجمال الشعارات ولا بعدد القوانين، بل بما…
د.علي المبروك أبوقرين الممارسة الطبية ليست وظيفة عادية ولا مهارة تقنية معزولة، ولا شهادة تُعلق…
د.علي المبروك أبوقرين عانت ليبيا لعقود طويلة قبل النفط وقبل قيام الدولة الحديثة، من أوضاع…
تعلن شركة البنية للاستثمار والخدمات، التابعة للشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة، عن دعوة…