كتاب الرائ

اتساع الجغرافيا وضيق النظام الصحي

في ليبيا حيث تمتد الجغرافيا على اتساع شاسع وتتوزع التجمعات السكانية بين مدن مكتظة وأخرى متناثرة بالكاد تُشكل نسيجا عمرانيًا متكاملًا، يبرز التحدي الصحي في صورته الأكثر تعقيدًا وكيف يمكن لنظامٍ صحي أن يُحقق العدالة في أرض لا تتشابه فيها الظروف ولا تتقارب فيها الإمكانات؟ ولكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن العدالة الصحية ليست خيارًا فهي ضرورة وواجب. وأن التغطية الصحية الشاملة حق أصيل. وأن اتساع الجغرافيا لا يُبرر التفاوت، إنما يفرض على النظام الصحي أن يكون أكثر ذكاءً وأكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيف. إن النظام الصحي الفعال ليس ذلك الذي يُكرر نفسه في كل مكان إنما الذي يُعيد تشكيل نفسه وفق الحاجة ويُحسن توزيع موارده ويُتقن الربط بين مكوناته. نظام متماسك وموحد في الرؤية، ومتكامل في الأداء وقادر على أن يُقدم خدمات الطب الوقائي وطب المجتمع والتحصين والرعاية الصحية الأولية في كل شبر، وأن يُفعّل منظومة إحالة ذكية وسلسة تنقل المريض عبر مستويات الخدمة المختلفة بسرعة ويسر، حتى في ظل بيروقراطية معقدة، أو نقص مرحلي في بعض المكونات. والمشكلة ليست في قلة الموارد دائمًا بل في تشظيها. وليست في غياب المؤسسات إنما في تضخمها. فحين يتحول النظام إلى مجموعة من الهيئات والإدارات المتكاثرة، التي لا يجمعها رابط وظيفي واضح، ولا يحكمها منطق تكاملي، فإن النتيجة الحتمية هي التعقيد والهدر وتضارب الصلاحيات، وتآكل المسؤولية. فما الحاجة إلى هذا الكم من الإمبراطوريات الإدارية التي تستهلك الموارد ولا تُنتج قيمة؟ وما جدوى الهياكل التي تُضيف طبقات من القرار دون أن تُحسن جودة الخدمة؟ وكيف يمكن لنظام صحي أن يكون فعالًا وهو مُثقل بهذا التداخل الذي يُربك المسارات، ويُبطئ الاستجابة ويُضعف الثقة ، إن النظام الصحي الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤسسات، بل بقدرته على العمل كوحدة واحدة. وكل إضافة لا تُحقق تكاملًا هي عبء، وكل تضخم غير مبرر هو خصم مباشر من حق المريض. وفي المقابل فإن الطب الحديث لم يعد كما كان. لم يعد قائما فقط على الاستجابة، فهو أصبح قائما على الاستباق والتنبؤ والوقاية. مفاهيم مثل الصحة الاستباقية والتنبؤية والوقائية والصحة الواحدة، لم تعد أفكارًا نظرية إنما أصبحت أساسًا لأي نظام يسعى للبقاء. الصحة اليوم تُبنى قبل أن تُطلب وتُصان قبل أن تُفقد. كما أن التحول نحو المدن الصحية وأنماط الحياة الصحية والخدمات المنزلية، والطب الرقمي والتشخيص المؤتمت والعلاج الجيني، والتقنيات الروبوتية، ضرورة لخفض التكاليف ورفع الكفاءة وتحقيق الوصول العادل. لكن كل هذه التحولات لا يمكن أن تُثمر في بيئة مفككة. ولا يمكن إدخال الذكاء الاصطناعي في نظام لا يعرف مساراته. ولا يمكن بناء طب جيني في منظومة تفتقد الأساسيات. ولا يمكن الحديث عن خدمات متقدمة في غياب هيكل واضح لتصنيف مستويات الرعاية. إن النظام الصحي في أبسط تعريفاته،هو هرم متكامل بقاعدة صلبة من الرعاية الأولية، ووسط ديناميكي من الخدمات التخصصية، وقمة عالية الكفاءة للحالات المعقدة والنادرة.

وهنا يصبح من البديهي أن تُدار الأمراض المعقدة كالسرطانات والأمراض المناعية، والحالات النادرة وزراعة الأعضاء في مراكز متخصصة ذات إمكانات عالية، وكوادر مؤهلة وخبرة تراكمية، ضمن منظومة إحالة واضحة، وليس في بيئة مشتتة تُهدر الخبرة وتُضاعف المخاطر. وحين يُبنى هذا الهرم بشكل صحيح، ينتفي تلقائيًا وجود كيانات موازية لا دور لها، وتذوب الأجسام غير الضرورية، ويُعاد توجيه الموارد نحو حيث يجب أن تكون في خدمة المريض. إن التحدي الحقيقي ليس في بناء المزيد بل في إعادة ترتيب ما هو قائم. وليس في إضافة طبقات إنما في إزالة الزوائد. وليس في توسيع الهياكل بل في توحيدها. الصحة لا تحتمل الفوضى ولا تُدار بالتجريب ولا تُبنى بالمصادفة. إنها نظام دقيق إن اختل جزء منه اختل كله. وفي بلد كليبيا، حيث التحديات كبيرة فإن الفرصة أكبر لبناء نموذج صحي مرن وعادل وموحد وقادر على التكيف مع الجغرافيا، وخدمة الإنسان أينما كان. ويصبح التأكيد ضرورة إن العدالة الصحية لا تتحقق بالشعارات إنما بالتخطيط العلمي الدقيق، وبتخريط صحي وطني شامل يُحدد الاحتياج الحقيقي لكل منطقة، ويُوزع الإمكانات والكوادر والخدمات وفق معايير موضوعية، تحقق التوازن بين الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي، وتضمن وصول الخدمات الأساسية والمتقدمة على حد سواء دون إغفال جاهزية الطوارئ والأزمات. كما يتطلب ذلك بناء قوة عاملة صحية عالية التأهيل ومجازة من جهات معتمدة ومعترف بها دوليًا، ويُعاد توزيعها وفق أعلى المعايير العالمية، وبما يواكب أفضل النماذج في الدول المتقدمة علميًا وطبياً، مع مراجعة شاملة لجميع الكوادر العاملة، وإخضاعها لبرامج علمية ووظيفية وتعليمية وتدريبية وتجسيرية وتقييمية مستمرة، تضمن الكفاءة والاستدامة. ولا يمكن تحقيق ذلك دون إقرار مبدأ التفرغ التام ومنع الجمع بين العام والخاص في الخدمات والتعليم الطبي، وتجريم تضارب المصالح بشكل صارم ورادع، حماية للنظام من الاستنزاف وصونًا لثقة المجتمع. كما يجب أن يكون واضحًا أن الخدمات الصحية للمجتمع الليبي مكفولة بالكامل ضمن نظام صحي حكومي موحد وعادل وشامل، لا يُترك فيه الإنسان لرحمة السوق، ولا تُختزل فيه الصحة في القدرة على الدفع. حينها فقط لا تعود الجغرافيا عائقًا، بل تصبح دليلًا على عدالة نظام يعرف كيف يصل.

د.علي المبروك أبوقرين

منشور له صلة

التقاعد والحقوق والصحة والكرامة

د.علي المبروك أبوقرين كبارنا ليسوا مجرد فئة عمرية تتقدم في الزمن، هم ذاكرة الوطن الحية…

3 أيام منذ

الجمعية العمومية للنادي الليبي للسيارات تعقد إجتماعها العادي الأول لسنة 2026م وتنتخب أعضاء جدد

طرابلس في 20 أبريل 2026م إنعقد الإجتماع العادي الأول للجمعية العمومية لسنة 2026م، وذلك بقاعة…

5 أيام منذ

الصحة حق

الصحة حق ليست عبارة تُقال ولا شعارًا يُرفع في المناسبات هي أصل تقوم عليه الدولة…

5 أيام منذ

لبنان

لبنان ليس وصفًا يُختصر ولا جغرافيا تُحاط بالكلمات هو حالة إنسانية متدفقة تشبه الضوء حين…

5 أيام منذ

كلية القانون بجامعة طرابلس تنظم حوارية علمية حول مخاطر الحوادث البحرية في المتوسط

نظّمت كلية القانون بجامعة طرابلس، بالتعاون مع الجمعية الليبية للملاحة وعلوم البحار، يوم الثلاثاء الموافق…

أسبوعين منذ

إلى أين ذاهبون بصحتنا

د.علي المبروك أبوقرين إلى أين نمضي بصحة أمتنا ونحن نحمل في ذاكرتنا صوراً لا تُمحى…

أسبوعين منذ