د.علي المبروك أبوقرين

أخلاقيات النظم الصحية لا تُقاس بجمال الشعارات ولا بعدد القوانين، بل بما يحدث فعليًا حين يتقاطع القرار مع المال، والسلطة مع الخدمة، والمصلحة الخاصة مع الحق العام. فكل خلل وكل عوار وكل تجاوز وكل إهمال وكل تضارب مصالح وكل واسطة ومحسوبية ومحاصصة، وكل ولاء يُقدم على الكفاءة، هو في جوهره انتهاك أخلاقي قبل أن يكون مخالفة إدارية أو جريمة قانونية. وحين يُسمح بالتزوير، أو يُتغاضى عن الهدر، أو يُكافأ التواطؤ بالصمت، يتحول النظام الصحي من أداة حماية إلى أداة خطر، ومن مؤسسة عامة إلى غنيمة موزعة، ومن حق للمواطن إلى امتياز يُمنح أو يُحجب. أخلاقيات النظم الصحية تُنتهك حين يُوظَّف من لا يستحق، ويُقصى الأكفأ، وتُدار التعيينات والترقيات بمنطق القرابة والولاء وليس الجدارة، وحين يُعاقب المهني النزيه بالنقل التعسفي أو الإقصاء أو التهميش، ويُكافأ الفاسد بالحماية أو الصعود. تُنتهك حين يُحرم جزء من السكان أو مناطق كاملة من خدمات صحية أساسية لا لعجز الدولة بل لسوء التوزيع والتمييز المناطقي، والإدارة العمياء أو المتعمدة. تُنتهك حين تُخزن الأدوية والمستلزمات بشكل سيئ حتى تتلف، بينما المرضى يبحثون عنها في السوق السوداء، وحين تُمنح صلاحيات طبية وصحية لأشخاص لا علاقة لهم بالمهنة، فيتعاملون مع صحة الناس وحياتهم بلا علم ولا مسؤولية.

وتبلغ أخلاقيات النظم الصحية قاع الانحدار حين تُفبرك التقارير الطبية والإدارية والمالية والقانونية، وحين تُصاغ السياسات على مقاس المكاسب الشخصية، لا على أساس الحاجة الصحية، وحين تتحول قرارات الشراء والتشغيل إلى أدوات ربح خاص لا وسائل خدمة عامة. هنا لا يعود الحديث عن أخطاء فردية، بل عن نظام يُنتج الفساد كما يُنتج الروتين، ويُشرعن الانحراف تحت مسميات إجرائية وقانونية ظاهرها التنظيم وباطنها التحايل. وفي قلب هذا الانهيار تتجلى الفوضى الصحية بأبشع صورها في قطاع صحي عشوائي، وتراخيص تُمنح بلا معايير، ومرافق تُفتح بلا رقابة، وأدوية مغشوشة ومزورة ومهربة تدخل السوق بلا رادع، وجمع فج بين العام والخاص، واستغلال ممنهج للمستشفيات العامة في أنشطة خاصة، سواء في التعليم الطبي الخاص أو التشغيل المؤجر أو الإحالات المدفوعة. وتُستنزف إمكانيات النظام الصحي العام لصالح نشاط تجاري ضيق، بينما يُترك المرفق العام معطّلًا أو مُنهكا أو مشغلًا لحساب الغير، في تحايل فج على القانون والمنطق والمعايير. أخلاقيات النظم الصحية تُغتال حين يصبح التعطيل المتعمد سياسة، والتشغيل الانتقائي أداة ضغط، وحين تُدار المرافق الصحية بمنطق من يستفيد لا من يحتاج. وحين تُفرغ الرقابة من مضمونها، وتُحيد المحاسبة، وتُختزل الجودة في أوراق، تصبح المعايير عبئًا، وتتحول رسالة الطب من حماية الحياة إلى إدارة المصالح. هذا الانهيار لا يهدد فعالية النظام الصحي فقط، بل يهدد المجتمع والدولة معًا. لأن نظامًا صحيًا بلا أخلاق لا ينتج صحة، بل يُنتج عدم ثقة وخوف وهجرة كفاءات، وتضخم في الأخطاء، وتآكل في العقد الاجتماعي. وحين يفقد المواطن ثقته في أن النظام الصحي يعمل لأجله، لا يبقى المرض مشكلة طبية فقط بل أزمة سياسية وأخلاقية وجودية. إن أخلاقيات النظم الصحية هي الإطار الذي تُفهم من خلاله كل الأخلاقيات الأخرى. فلا معنى لأخلاقيات الطبيب في نظام يكافئ الفساد، ولا قيمة للتواصل الإنساني في بيئة تُسحق فيها الكفاءة، ولا جدوى من التعليم الطبي في منظومة تُسلع الشهادات وتُفرغ التدريب. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القمة فقط ولا من القاعدة فقط، بل من إعادة بناء منظومة أخلاقية تحكم القرار الصحي، وتضع صحة الإنسان فوق كل ولاء، وكل ربح وكل نفوذ. وحين تغيب أخلاقيات النظم الصحية، لا يكون الانهيار حادثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية. وحين تعود هذه الأخلاقيات إلى قلب السياسات والإدارة والممارسة، فقط حينها يمكن للطب أن يستعيد معناه، وللنظام الصحي أن يستعيد وظيفته، وللمجتمع أن يستعيد ثقته في أن حياته ليست محل مساومة.

منشور له صلة

بمشاركة ليبية | انطلاق المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض

شارك في المؤتمر الوفد الليبي برئاسة رئيس هيئة سوق العمل بدولة ليبيا، السيد علي محمد…

15 ساعة منذ

التأخر في التشخيص وفرص العلاج

د.علي المبروك أبوقرين التأخر في التشخيص لا يبدأ في المستشفى ولا في العيادة، بل يبدأ…

يوم واحد منذ

إعلان عن عقد اجتماع الجمعية العمومية لشركة البنية للاستثمار والخدمات

يسر مجلس إدارة شركة البنية للاستثمار والخدمات دعوتكم لحضور الاجتماع العادي (الأول) لسنة 2026م. تفاصيل…

4 أيام منذ

الممارسة الطبية

د.علي المبروك أبوقرين الممارسة الطبية ليست وظيفة عادية ولا مهارة تقنية معزولة، ولا شهادة تُعلق…

أسبوع واحد منذ

ليبيا والنكوص الصحي الخطير

د.علي المبروك أبوقرين عانت ليبيا لعقود طويلة قبل النفط وقبل قيام الدولة الحديثة، من أوضاع…

أسبوع واحد منذ

​إعلان دعوة لحضور اجتماع الجمعية العمومية العادي (الأول) لعام 2026

​تعلن شركة البنية للاستثمار والخدمات، التابعة للشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة، عن دعوة…

أسبوعين منذ