الاقتصادية

قراءة في تقرير للبنك الدولي: هل ليبيا بمعزل عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد العالمي؟

بعد أن بدأ العالم يعيد ترتيب أوراقه للعودة للزخم الاقتصادي بكافة أدواته بعد انحسار جائحة كورونا، وتجلى ذلك في عودة الطلب على المحروقات جراء عودة عجلة الإنتاج بالمصانع العالمية الكبرى،  دخلت الحرب في أوكرانيا في التوقيت الخطأ بالنسبة للاقتصاد العالمي لتعيده إلى المربع الذي فبع داخله منذ ظهور الجائحة في العام 2019 ، حيث التضخم آخذٌ في الازدياد، والمصارف المركزية في أكبر اقتصادات العالم تستعد لرفع أسعار الفائدة، وأسواق المال تضطرب بشدة في خضم حالة من الشكوك وعدم اليقين.

لقد فاقمت الحرب تلك الشكوك على نحو ستتردد أصداؤه وتداعياته في أرجاء العالم، لتعصف بأكثر الناس احتياجاً في أكثر الأماكن هشاشة. ومن السابق لأوانه معرفة إلى أي مدى سيؤدي الصراع إلى تغيير الآفاق الاقتصادية العالمية من حيث نطاقها وشدتها، وفي مكان نشوبها، وفي الاستجابة العالمية للتصدي لها. وسيتوقف الكثير على ما يحدث بعد ذلك. خاصة مع اتضاح الصورة  بالفعل في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يقابله انخفاض إمدادات المعروض، الأمر الذي سيكون السبب المباشر لمعاناة الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل.

خاصة أن هناك كثير من الاقتصادات النامية في العالم مازالت ترزح تحت وطأة الجائحة. ولم يكن لمعظم الاقتصادات النامية نصيب من التعافي الجيد الذي شهدته الاقتصادات المتقدمة خلال العام المنصرم،  حيث يبلغ إجمالي ديون هذه الاقتصادات الآن أعلى مستوى له في 50 عاماً. وسجَّلت معدلات التضخم أعلى مستوياتها في 11 عاما، وفي مواجهة هذه الأوضاع، بدأ 40 % من المصارف المركزية برفع أسعار الفائدة.

 فبالإضافة إلى ارتفاع أسعار السلع الأولية، فإن تداعيات الأزمة ستصل إلى اقتصادات هذه الدول على الأرجح من خلال الصدمات التجارية، والاضطرابات المالية، وشح تحويلات المغتربين، ونزوح اللاجئين، في حين ستتكبَّد البلدان الأقرب إلى الصراع على الأرجح أشد الأضرار الفورية المباشرة، وذلك بحكم روابطها القوية بروسيا وأوكرانيا في المجالات التجارية والمالية والهجرة، ولكن التداعيات قد تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير.

ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود

تعتمد بعض الاقتصادات النامية اعتمادا كبيرا على روسيا وأوكرانيا في الحصول على احتياجاتها من المواد الغذائية،  فهذان البلدان هما مصدر أكثر من 75% من القمح الذي تستورده عديد الاقتصادات في أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا. وقد تتضرر هذه الاقتصادات بشكل خاص إذا تعطَّل الإنتاج أو النقل للحبوب والبذور من روسيا وأوكرانيا. وبالنسبة للبلدان الأقل دخلا، قد يؤدي تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار إلى ازدياد الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

اضطراب الأسواق المالية

إلى جانب حالة الاضطراب التي لحقت بالغذاء وتكاليفه، أحدثت هذه الحرب هزات في الأسواق المالية، ودفع إلى موجة واسعة من عمليات البيع للأسهم والسندات في الأسواق العالمية الرئيسية. وقد يؤدي ازدياد عزوف المستثمرين عن المخاطرة إلى تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج من الاقتصادات النامية متسبِّباً في انخفاض قيمة العملات، وتراجع أسعار الأسهم، وازدياد علاوات المخاطر في أسواق السندات. وسيخلق هذا ضغطاً شديدا على عشرات من الاقتصادات النامية التي ترتفع فيها مستويات الدين. وأمَّا الاقتصادات التي تُسجِّل عجزا كبيرا في موازين الحساب الجاري أو نسباً مرتفعة من الديون قصيرة الأجل المقومة بعملات أجنبية فإنها قد تجد صعوبة في تمديد آجال الديون. وبديلاً عن ذلك، ستواجه هذه الاقتصادات ارتفاع التزاماتها لسداد مدفوعات خدمة الديون.

وقد تتفاقم الضغوط المالية جراء استجابة البنوك المركزية لارتفاع معدلات التضخم ، وقد تؤدي قفزة أخرى في ارتفاع أسعار منتجات الطاقة إلى دوامة تضخمية مع ترسُّخ توقعات ارتفاع معدلات التضخم في الأمد الطويل. وقد يجعل ذلك المصارف المركزية تتجه إلى تشديد السياسة النقدية بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً حتى الآن.

الوقاية خير من العلاج

لقد حان الوقت للتحرك. ويجب على حكومات الاقتصادات النامية ومن بينها ليبيا ذات المصدر الأحادي للدخل،  والتي تعتمد بشكل أساسي على استيراد أكثر من 90 بالمائة من احتياجاتها  أن تسعى على وجه السرعة لاحتواء المخاطر الاقتصادية. ومن الخطوات الحيوية الأولى التي يمكن اتخاذها تكوين احتياطيات من النقد الأجنبي، وتحسين تدابير متابعة المخاطر المالية، وتقوية السياسات الاحترازية الكلية. ويتعين على واضعي السياسات التحلي باليقظة واتخاذ خطوات واعية لتصحيح المسار في سعيهم لمجابهة ارتفاع معدلات التضخم. ويجب عليهم أيضاً البدء بتجديد موارد المالية العامة التي استُنزفت بسبب جائحة كورونا، وذلك بإلغاء النفقات غير المتسمة بالكفاءة وتعبئة الموارد المالية المحلية حيثما يتيسر. ومن الضروري أيضا أن يسعوا إلى تقوية شبكات الأمان الاجتماعي اللازمة لحماية أشد مواطنيهم ضعفاً في أوقات الأزمات.

وبقدر ما كانت جائحة كورونا مُدمِّرةً، كانت درساً عملياً في قدرة واضعي السياسات على الاستجابة بشكل فعَّال في مواجهة كارثة.  ومع ذلك، فإن الوقاية خير من العلاج. ومن الحكمة أن تمضي حكومات الاقتصادات النامية الآن قدماً في هذا المسار.

منقول بتصرف عن البنك الدولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى