كتاب الرائ

الملكُ إدريس واستقلالُ ليبيا في أطروحةٍ عـراقــيةٍ 2 -2

يونس شعبان الفنادي

تنويه واعتذار

في الوقت الذي نعتذر فيه من السادة قراء ليبيا الإخبارية ، ومن الأستاذ يونس الفنادي ، على عدم نشر الجزء الثاني من مقال ” الملكُ إدريس واستقلالُ ليبيا في أطروحةٍ عـراقــيةٍ ” ، ننشره بالموقع الإلكتروني للصحيفة ، وسينشر بالصفحة الثقافية بالعدد القادم من ليبيا الاخبارية

الملكُ إدريس واستقلالُ ليبيا

في أطروحةٍ عـراقــيةٍ

يونس شعبان الفنادي

[email protected]

2 -2

وحول اختيارها شخصية ملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي السياسية التاريخية لأطروحتها الجامعية تقول المؤلفة الدكتورة هند عادل النعيمي (.. مما يزيد من أهمية إدريس المهدي السنوسي، أنه كان ذا شخصية مركبة جمعت بين السلطتين الدينية والدنيوية، فهو الزعيم الروحي للحركة السنوسية بعد نفي إبن عمه أحمد الشريف، والقائد الموجه لحركة الجهاد من بعده، وهو الزعيم السياسي الذي كان الوجه الأبرز على الساحة الليبية في تمثيل بلاده في المحافل الدولية والتي قادها نحو الاستقلال والوحدة وهو مع هذا وذاك جمع بين الثقافتين الدينية الملتزمة بأحكام الشريعة، وبين الثقافة السياسية الليبرالية المنفتحة على العالم الحر، فكانت إزداوجية متجانسة قلما نجد نظيرها في غيره من القادة والزعماء..).

أما عن أهداف دراستها لهذه الشخصية تبيّن الدكتورة ذلك قائلة (.. تأتي هذه الدراسة لتشكل إطلالة جديدة على هذه الشخصية، ومحاولة للكشف عن دورها الحقيقي في تأسيس دولة ليبيا الحديثة، على الأقل بروح متجردة عن الدوافع أو التعاطف غير المبرر، ونظراً لسعة الدور السياسي الذي قام به إدريس في تاريخ ليبيا المعاصر، على امتداد حياته والتي بلغت ثلاثة وتسعين سنة فقد أرتأيتُ أن أقصر هذا البحث على دراسة دوره السياسي في استقلال دولة ليبيا الحديثة حتى عام 1952م، ليكون البحث في أثناءها أكثر عمقاً ولأترك المرحلة اللاحقة من حياته بصفته ملكاً على ليبيا حتى عام 1969م لباحث أخر يكمل هذا الدور..)

ويقول أستاذها المشرف على الأطروحة الدكتور ظاهر محمد صكر الحسناوي في مقدمته المستفيضة الشيقة للكتاب التي جاءت موضحة وشارحة لاهتمامه بالشأن الليبي، ومدافعة عن محدودية ونقص المعلومات والمراجع التاريخية التي تحتاجها الدراسة الشاملة المتكاملة، ليُحَصِّن بذلك ويبرر أي ضعف يظهر بعمل طالبته الباحثة المثابرة (… في هذا الكتاب الذي بين يدي القاريء الكريم جهدٌ متواضع عن شخصية كبيرة ومهمة في تاريخ ليبيا لباحثة عراقية مجدة، أعتقد أنها جازفت في الغوص في موضوع كهذا تعرض إلى التعتيم وحتى التضليل أحياناً، وفي حدود الإمكانيات الوثائقية والمصدرية المتاحة تمكنت من استكمال ملامح الصورة الغائمة لهذه الشخصية وإبرازها بوضوح في إطار زمني محدد، وهي تعلم جيداً أن موضوعها قيد البحث قد يثير الكثير من الأسئلة وردود الأفعال الإيجابية والسلبية، وما نريد إيصاله إلى كل من يقع هذا الكتاب بين يديه أن الباحثة لم تكتب كل شيء عن إدريس السنوسي وإنما كتبت ما استطاعت الوصول إليه من المصادر، كما فضلت أن تقتصر هذه الرسالة على المرحلة الأولى من حياة إدريس والتي تتوقف عند اعلان استقلال ليبيا، وأن تترك المرحلة الثانية من حياته كملك إلى باحث أخر توخياً لإعطاء الباحثة الفرصة الكافية للتعمق في سيرته واستكشاف تفاصيل دوره السياسي في هذه الحقبة من حياته..).

وهنا لابد من التأكيد على أنه لا يمكنني شخصياً، وبأي حال من الأحوال، التقليل من أي عمل إنساني أو جهد بحثي، لأني خبرتُ معاناته وضغوطاته الزمنية الجامعية، وتشعب مواضيعه فصولاً وأبواباً وأقساماً، لذا أنا أقدرُ عالياً أهمية هذا العمل الذي يضيفُ الكثير لمكتبة التاريخ الليبي والعربي الحديث والمعاصر، ولكن ما صدمني في الكتاب هو عبارة عن مجموعة ملاحظات فنية وتقنية تخص معظمها المنهج البحثي الذي اعتمده الأستاذ المشرف واتبعته الطالبة الباحثة، لأنه -في تصوري- يمس جوهر آلية وأسلوب البحث الأكاديمي، ولا يمكن اعتبار تلك الملاحظات مجرد هنّات شكلية بسيطة بالإمكان غض البصر عنها أو تجاوزها، لأن الأطروحة الأكاديمية هي دراسة دقيقة علمية في المقام الأول، ومنجزة في رحاب جامعة عريقة لها أعرافها وطقوسها واشتراطاتها الفنية، وسقف معاييرها العلمية التي لا تقبل المساس بها أو التخلي عنها.

وكما ذكرت فقد جاءت ملاحظاتي الأساسية المتواضعة منهجية فنية، أما الموضوعية التاريخية فسأتركها للأفاضل ذوي الاختصاص الدارسين للتاريخ الليبي والعلوم السياسية، وأبرز ملاحظاتي هي:

أولاً: كُتبت ونُشرت الأطروحةُ بلغةٍ عربية تكسرت كثيراً بشكل لا يمكن قبوله من كلِّ غيور على اللغة العربية المقدسة، لغة القرآن الكريم، وأحكام صرفها وضبطها النحوي، حيث لا يمكن القبول بنصب الفاعل ورفع المفعول به. وسلامةُ اللغة أساسُ أيِّ عملٍ، لأنه لا يستقيم المعنى ما لم تستقم اللغة، وبالتالي فالأطروحة تحتاج إلى الكثير من المراجعة والتصويبات النحوية التي ظهرت بشكل مشين في هذا العمل البحثي التوثيقي المهم.

ثانياً: غلب على الدراسة الجانب السردي المجرد لأحداث التاريخ، والاقتباس المعزز من مصادر ثرية متعددة، والربط بينها دون أن يتضمن ذاك السرد الممتع تحليلاً عميقاً لمجرياتها، أو تفسيراً، أو رأياً أو وجهة نظر الباحثة في سياق الموضوع، وبالتالي غاب صوت ورأي الطالبة الباحثة، وفقدت الأطروحة إضافة تراكمية خاصة كانت ستكسبها دراسة تاريخ وسيرة الملك الراحل إدريس السنوسي رحمه الله.

ثالثاً: المتصفح للكتاب الأطروحة يجد أنها لم تعتمد منهجاً موحداً في كتابة الأرقام المدونة بها، فتارة نجد الأرقام العربية، وتارة أخرى وأحياناً في نفس الصفحة، نجد الأرقام الهندية التي ألغي استعمالها في ليبيا منذ عقود.

رابعاً: استعمال أسماء الشهور السريانية أو الرافدية في اللغة الأرامية (آذار، نيسان، آيار، حزيران …)، والتي هي غير مستعملة أو متداولة في ليبيا (الفضاء المكاني للدراسة البحثية)، إضافة إلى أسماء الشهور الرومانية المعربة عن اللغة اللاتينية مثل (يناير، فبراير، مارس …) وكان الأجدر بالباحثة الإبقاء على اسم الشهر كما ورد في الوثيقة المرجعية الأصلية وفتح قوسين معكوفين […] وإضافة الاسم باللغة الأخرى أو أي توضيح حول ذلك. والمثال على هذا، ما أوردته الباحثة في ثبت مراجعها بالصفحة رقم 414 (أ- الصحف العربية) بند 5 (طرابلس الغرب، طرابلس، 12 آيار 1949) فهل نجد وثيقة هذه الصحيفة مؤرخة فعلاً بالشهر السرياني “آيار”؟

خامساً: تضمن الكتاب الأطروحة ثمانية ملاحق، وقد جاءت معظمها للأسف بلا عناوين، وظهرت غير واضحة بشكل دقيق يخدم موضوع البحث مما أفقدها أهميتها رغم الإشارة إلى المصادر المصورة أو المستنسخة منها.

سادساً: مراجع ومصادر الأطروحة كانت ثرية ومتعددة من حيث تنوعها ولغاتها العربية والأجنبية وتواريخ أزمنتها القديمة والحديثة، وهذا جهد كبير يحسب لها وتشكر عليه الباحثة وأثمنه عالياً، إلاّ أن مرجعاً مهماً غاب عن هذه الدراسة الأكاديمية الرائعة والذي يتضمن الكثير من المعلومات القيمة عن الفترة (1950-1952) وهو كتاب أول مبعوث لهيئة الأمم المتحدة إلى ليبيا السيد ادريان بلت الصادر باللغة الانجليزية سنة 1970 بعنوان (Libyan Independence and the United Nations) وترجمته (الاستقلال الليبي والأمم المتحدة) والذي يمكن أن يضيف الكثير من المعلومات للدراسة أو يصحح بعض ما ورد بها.

سابعاً: جاءت فصول الكتاب متقاربة في عدد صفحاتها وتراوحت بين 40 و 60 صفحة، مما قد يعطي انطباعاً بأن الدراسة البحثية كانت متوازنة في مواضيع فصولها وأبوابها، وهذا غير دقيق لأن الأحداث كانت متفاوتة موضوعياً من ناحية أهميتها في مسيرة ليبيا وحياة الملك الراحل إدريس السنوسي رحمه الله.

ثامناً: مقدمة الفصل السادس جاءت غزيرة بالأسئلة الجيدة التي كان من المفترض أن تظهر إجاباتها في ثنايا أسطره اللاحقة، إلاّ أن استهلال هذا الفصل بعنوان فرعي جانبي هو (غضب إدريس على البريطانيين) وتأخر التصريح مباشرة بمشروع “بيفن – سفورزا” كان انحرافاً عن تلك الأسئلة المهمة وغير متوافق مع منهجية الفصل، فالأولى هو إبراز المشروع الاستعماري الشهير في تاريخ ليبيا بدلاً من ذلك العنوان الجانبي غير الواضح.

تاسعاً: إن حادثة التصويت على قرار استقلال ليبيا بالجمعية العامة للأمم المتحدة ودور ممثل دولة هاييتي السفير “آميل سان لو” كانت تستحق نشرها مفصلة بعنوان جانبي بارز في الكتاب، وذلك لما لها من أهمية تاريخية ودور حاسم في قضية استقلال ليبيا، بدل وضعها في هامش صغير والمرور عليها بشكل عابر في ذيل الصفحة.

عاشراً: جاء استعراض مواد الدستور الليبي وشرح بعضها بشيء من التفصيل، سرداً يحتاج إلى أسانيد نصيّة تعززه، أفلا يستحق الدستور الليبي ذلك المنجز القانوني الاجتماعي الوطني المبكر في تاريخ دساتير الدول العربية أن ينشر نصه كاملاً ضمن ملاحق الدراسة لما يمثله من تعزيز لذاك السرد الذي تفضلت به الباحثة، وتوثيق لمسودة هدف وطني تحقق في ظروف محلية ودولية غاية في الصعوبة ووسط تحديات إقليمية عديدة ظاهرة ومبطنة؟

وأخيراً فإن مجرد التفكير في الكتابة عن تاريخ ليبيا أو أحد شخصياتها أو رموزها الوطنية من باحثة عربية يستحق منا كليبيين كافةً الكثير من الثناء والشكر والامتنان بصرف النظر عمّا تحمله تلك الكتابة من إيجابيات وسلبيات، أو قصور منهجي أو معلوماتي لأنها إجمالاً تعكس دور النخب العربية العلمية والثقافية في تجسيد مباديء غرس رسالة الأمة الواحدة والوطن العربي الكبير الممتد من المشرق إلى المغرب والانشغال بقضاياه المختلفة، وفي إطار هذا الإحساس القومي يأتي صدور كتاب (محمد إدريس السنوسي ودوره في استقلال ليبيا 1890-1952) في بلدنا العراق الحبيب واهتمام طلابه وأساتذته وجامعاته بقطر عربي يبعد وفق منطق الجغرافيا الطبيعية آلاف الكيلومترات. كما أن إنجاز هذا العمل بروح الباحث المؤرخ للأحداث بحيادية وشفافية مطلقة، مغايراً كلياً لقراءة وكتابة السياسي ذات الغايات والأهداف الضيقة المحدودة المتمشية مع شعاراته البراقة يحسب له ويضاعف صدقيته وقيمته المعلوماتية، ويجعله مرجعاً جديداً يعين الكثيرين في بحوثهم ودراساتهم وليس مجرد كتاب عادي يصطف على أرفف المكتبات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى